استراتيجية البيت الأبيض تضع أمن الأبحاث في قلب سياسة العلوم الأمريكية
أصدر البيت الأبيض استراتيجية جديدة للعلوم والتكنولوجيا لأمن القومي، تقول إن الولايات المتحدة بحاجة إلى طرق جديدة لحماية منظومة البحث من دون خنق السرعة والإنتاجية اللتين تمنحان هذه المنظومة قيمتها الأساسية. وبالاستناد إلى الملخص المنشور، فإن الاستراتيجية لا تنظر إلى العلوم والتكنولوجيا بوصفهما مصدرين للاكتشاف والنمو الاقتصادي فحسب، بل كعنصر أساسي من عناصر القوة الوطنية التي ينبغي الدفاع عنها بصورة أكثر تعمداً.
وتكتسب هذه الأولوية أهمية لأنها تبدو وكأنها تنقل النقاش السياسي من التحذيرات العامة بشأن التدخل الأجنبي إلى ضمانات أكثر تشغيلية داخل مسار البحث نفسه. والهدف المعلن هو الحفاظ على التفوق العلمي للبلاد مع تقليل خطر أن تستغل جهات معادية الأعمال الممولة اتحادياً، أو الشراكات الأكاديمية، أو بيئات البحث المفتوحة.
وبحسب المادة المصدرية، تقول الاستراتيجية إن قطاع الابتكار الأمريكي ينبغي أن يُستفاد منه وأن يُحمى في الوقت نفسه للدفاع عن البلاد. كما تقول إن الحكومة ينبغي أن تتبع مقاربات تحمي مؤسسة العلوم والتكنولوجيا الخاصة بالأمن القومي من دون الإضرار بمرونتها. وقد أصبح هذا التوازن من أصعب مشكلات السياسة في البحث المتقدم: كيف نحمي مؤسسات مفتوحة تعتمد على التعاون، والمواهب الدولية، وسرعة تبادل المعرفة.
ما الذي تبدو الاستراتيجية وكأنها تغيّره
تتمثل العناصر الأكثر وضوحاً الواردة في التقرير في بنية أمنية أكثر منهجية تحيط بالأبحاث المدعومة اتحادياً. فبدلاً من الاعتماد فقط على الامتثال على مستوى المؤسسة أو المراجعات المتقطعة، تدعو الاستراتيجية إلى تدقيق آلي لأمن الأبحاث في المقترحات الممولة من الوكالات، وإلى مراقبة مستمرة للمشروعات المدعومة. وهذه خطوات لافتة لأنها تشير إلى نهج أكثر استمرارية واستناداً إلى البيانات في الإشراف.
إذا طُبقت على نطاق واسع، فقد ينقل التدقيق الآلي مراجعة الأمن إلى مرحلة مبكرة من عملية المنح، ما يساعد الوكالات على تحديد الارتباطات عالية المخاطر، أو العلاقات غير المعلنة، أو غيرها من إشارات التحذير في وقت أبكر. أما المراقبة المستمرة، فتشير إلى أن أمن الأبحاث لن يعود مجرد فحص لمرة واحدة عند مرحلة الإسناد، بل قد يُتوقع من الوكالات تتبع التطورات ذات الصلة طوال عمر المشروع.
كما يدعو الوثيقة إلى تعزيز دعم استخبارات مكافحة التجسس لكل من مراكز الأبحاث الحكومية وغير الحكومية. عملياً، يعني ذلك ربطاً أوثق بين مجتمع البحث وأجهزة الأمن القومي، بحيث يتلقى الباحثون والمؤسسات معلومات أكثر توقيتاً عن التهديدات المحتملة. وتشير الاستراتيجية أيضاً إلى معايير مراجعة قائمة على المخاطر ومستودع معلومات قابل للمشاركة يهدف إلى جعل الجمع وتبادل المعلومات أكثر كفاءة بين الوكالات.
وعند جمع هذه المقترحات معاً، فإنها تشير إلى موقف اتحادي أكثر تكاملاً. فهي لا تتعلق فقط بمعاقبة المخالفات بعد وقوعها، بل ببناء صورة تشغيلية مشتركة عبر الوكالات والجامعات والمختبرات وقنوات التمويل.
لماذا يهم هذا الآن
تأتي الاستراتيجية في بيئة سياسية تشكلت بالفعل عبر سنوات من القلق بشأن النفوذ الأجنبي في الأبحاث الأمريكية. وتشير المادة المقدمة إلى أن الرئيس دونالد ترامب كان قد تحرك سابقاً للحد من التدخل الأجنبي غير المشروع، بما في ذلك من خلال مذكرة في يناير 2021 هدفت إلى منع الحكومات الخصمة من استغلال الأبحاث العلمية والتكنولوجية الأمريكية. كما تشير إلى أن مشرعين من الحزبين ضغطوا لفرض قيود على مشاركة الصين في المشروعات الممولة اتحادياً.
وفي الوقت نفسه، أفيد بأن البنتاغون طلب من 30 مؤسسة أكاديمية أمريكية مراجعة علاقاتها مع كيانات أجنبية. وتُظهر هذه المعلومة أن الاستراتيجية الجديدة تأتي بالتوازي مع ضغط ملموس على الجامعات، لا بمعزل عنه. لم يعد أمن الأبحاث موضوع امتثال هامشي، بل يُنظر إليه كجزء من منافسة أوسع على الريادة التكنولوجية وسلاسل الإمداد والقدرة العسكرية والمرونة الاستراتيجية.
ويساعد هذا السياق الأوسع على تفسير لغة الإدارة عن “حلول أمنية جديدة”. فقد لا تعود ضوابط التصدير التقليدية، وقواعد الإفصاح، والتحقيقات حالة بحالة، كافية لبيئة بحثية أصبحت أكثر ترابطاً، وأكثر اعتماداً على البرمجيات، وأكثر تنازعاً من الناحية الاستراتيجية مما كانت عليه من قبل. فالعلوم المتقدمة أصبحت اليوم أقرب إلى الأمن القومي في مجالات تمتد من أشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية إلى الذكاء الاصطناعي والأنظمة الكمية وأبحاث المواد.
الآثار على الجامعات والمختبرات والجهات الممولة
بالنسبة إلى المؤسسات البحثية، قد تترجم الاستراتيجية إلى أعباء إدارية جديدة، لكنها قد تعني أيضاً توقعات أوضح. فقد تواجه الجامعات ضغوطاً لتحديث فحص المقترحات، وتعزيز مراجعة الشراكات، وإضفاء الطابع الرسمي على أنظمة المراقبة للمشروعات المدعومة بأموال اتحادية. وقد تنتهي مكاتب الأبحاث إلى قضاء وقت أكبر في التحقق من المستفيدين الفعليين، والإفصاحات عن الانتماءات الأجنبية، والمراقبة اللاحقة للموافقة على مؤشرات الامتثال.
وفي الوقت نفسه، قد تُدفع الوكالات الاتحادية نحو إجراءات أمنية أكثر توحيداً. فقد يخفف مستودع المعلومات المشترك ومعايير المراجعة الموحدة من التجزؤ بين الوكالات التي تقيم المخاطر بطرق مختلفة حالياً. وسيكون ذلك مهماً للمؤسسات التي تدير منحاً متعددة عبر برامج الدفاع والصحة والطاقة والعلوم المدنية.
وتوحي لغة الاستراتيجية أيضاً بنموذج أكثر اعتماداً على الاستخبارات في حوكمة الأبحاث. فإذا أصبح دعم مكافحة التجسس أكثر انتظاماً، فقد تتلقى المؤسسات معلومات تهديد أكثر استهدافاً بدلاً من نصائح امتثال عامة. وقد يحسن ذلك الوعي بالمخاطر، لكنه قد يثير أيضاً أسئلة صعبة بشأن الإجراءات القانونية الواجبة والشفافية، وكيفية ترجمة تقييمات التهديد إلى قرارات تمويل أو شراكة.
التوتر الأساسي: الانفتاح مقابل السيطرة
سيكون التحدي أمام صناع السياسات هو التنفيذ. فقد اعتمدت قوة البحث الأمريكي طويلاً على الانفتاح، وشبكات الجامعات العميقة، والقدرة على جذب المواهب من أنحاء العالم. وقد تؤدي إجراءات أمنية صارمة أكثر من اللازم إلى إبطاء التعاون، أو تثبيط العمل الدولي المشروع، أو خلق حالة من عدم اليقين لدى المؤسسات التي تتنقل أصلاً بين قواعد التصدير والتدقيق الجيوسياسي.
ولهذا فإن الإطار الذي تقدمه الاستراتيجية نفسها مهم. فكما ورد في المصدر، لا تدعو الوثيقة إلى الحماية بأي ثمن، بل إلى حماية لا تعرقل الإنتاجية والمرونة. وستحدد قدرة الإدارة على الحفاظ على هذا التوازن ما إذا كانت الاستراتيجية ستُذكر كعملية تحديث ذكية لأمن الأبحاث أو كطبقة جديدة من الاحتكاك على منظومة الابتكار.
وفي الوقت الراهن، فإن الإشارة الأوضح هي إشارية الاتجاه. يبدو أن واشنطن تتحرك نحو نموذج يصبح فيه أمن الأبحاث مستمراً وآلياً وأكثر ارتباطاً بمؤسسات الأمن القومي. وسيشكل ذلك تغييراً ذا مغزى في كيفية إشراف الحكومة الاتحادية على المؤسسة العلمية، وكيف تدير الجامعات والمختبرات المخاطر المرتبطة بالبحث المفتوح في عصر تكنولوجي أكثر تنازعاً.
يعتمد هذا المقال على تقرير من Defense One. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on defenseone.com





