تضيف الجينومات القديمة دليلاً مباشراً إلى سرد تاريخي راسخ
استعاد باحثون يدرسون بقايا محنطة من شمال تشيلي حمضاً نووياً لفيروس الجدري من فردين من حقبة الإنكا، وربطوا الفيروس بسلالة مرتبطة بأوروبا. ويُعد هذا الاكتشاف، كما ورد في تغطية New Scientist للعمل، مهماً لأنه ينقل قصة الجدري في الأمريكتين من نطاق الاستدلال التاريخي إلى نطاق الدليل الجزيئي المباشر.
لعقود طويلة، اعتمد المؤرخون وعلماء الآثار أساساً على الروايات المكتوبة والانهيار الديموغرافي لفهم كيفية انتشار أمراض العالم القديم بعد وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين. وكان الجدري يُعد منذ زمن من أكثر تلك الممرضات تأثيراً. لكن ما كان مفقوداً هو دليل بيولوجي مباشر من بقايا بشرية يثبت أن الفيروس الموجود في الأمريكتين كان مطابقاً للسلالات التي كانت تتداول في أوروبا. ووفقاً للنتائج المعلنة، فقد تقلصت هذه الفجوة الآن بدرجة كبيرة.
حلل الفريق، بقيادة شيغيكي ناكاغومي من كلية ترينيتي في دبلن، عظاماً من مومياوات استعيدت من الموقع الأثري كامارونيس 9 في شمال تشيلي. وقد كشف الموقع، الذي اكتُشف عام 1957، عبر الزمن عن عشرات الجثث الملفوفة والمدفونة. وبينما كان هدف الباحثين في البداية دراسة الحمض النووي البشري، بحثوا أيضاً عن مواد قديمة لممرضات ووجدوا شظايا فيروسية مطابقة لفيروس variola المسبب للجدري في فردين.
لماذا تهم هاتان المومياوان
كان الشخصان اللذان تم التعرف عليهما في التقرير امرأة قُدّر أنها توفيت بين سن 30 و35 عاماً، ورجل قُدّر أنه توفي بين سن 18 و20 عاماً. وأرّخ الكربون المشع إحدى الوفاتين بين عامي 1492 و1631، وهي فترة تتداخل مع المرحلة الأولى من الاستعمار الأوروبي في الأمريكتين. وهذا التوقيت مهم لأنه ينسجم مع النافذة التاريخية التي يُعتقد أن الأمراض الوبائية انتشرت خلالها بسرعة بين السكان الأصليين.
ثم أعاد الباحثون بناء الجينومات الفيروسية وقارنوها بعينات قديمة وحديثة من الجدري. وكانت الخلاصة المعلنة أن الفيروسات التشيلية تنتمي إلى سلالة تضم سلالات أوروبية من العصور الوسطى المبكرة والعصر الحديث المبكر. وعملياً، يعزز هذا المقارنة الاحتمال بأن الإصابات جاءت من أوروبا، بدلاً من أن تمثل سلالة أمريكية أقدم لم تُعرَف من قبل.
وصف ناكاغومي النتيجة بأنها أول دليل جزيئي مباشر على أن الجدري أُدخل إلى الأمريكتين عبر الاستعمار الأوروبي. وهي عبارة حذرة الصياغة، لكنها مهمة. فقد اعتبر المؤرخون هذا السيناريو مرجحاً للغاية منذ زمن طويل. والبيانات الجديدة لا تتوافق مع تلك القصة فحسب، بل تؤسسها بيولوجياً.
ممرض أعاد تشكيل القارة
لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على علم الفيروسات. فقد كان الجدري أحد القوى البيولوجية الأساسية في التحول الاستعماري للأمريكتين. وكما يلخص التقرير الأصلي، تشير التقديرات التاريخية إلى أن الأمراض الوبائية قتلت نسبة هائلة من السكان الأصليين بعد الاتصال الأوروبي. وذهب باحثون إلى أن الصدمة الديموغرافية أضعفت البنى السياسية، ودمّرت المجتمعات، وسرّعت من وتيرة الغزو الاستعماري.
وكان الجدري شديد الفتك بشكل خاص لأن سكان الأمريكتين لم تكن لديهم أي معرفة سابقة به، وبالتالي لم تكن لديهم مناعة موروثة أو مكتسبة تجاهه. أما في أوراسيا، فقد كان الجدري قد تداول لقرون، مصيباً السكان مراراً، ومشكلاً أنماط المناعة والوفيات والاستجابة الاجتماعية. وفي الأمريكتين، واجه الفيروس مجتمعات بلا هذا الخلفية. وكانت النتيجة وفيات كارثية.
ينقل النص الأصلي عن ماثيو وارد من جامعة دندي، الذي لم يشارك في البحث، تأكيده أن موجات الأوبئة في الأمريكتين كانت من بين أهم الأحداث في التاريخ. ويبرز هذا الإطار لماذا تتجاوز أهمية هذه الورقة مجرد تحديد ممرض واحد. فهي تقدم نقطة تحقق جزيئية لإحدى أكبر الهزات البشرية في العصر الحديث المبكر.
ما الذي يمكن أن يخبرنا به الحمض النووي القديم وما لا يمكنه قوله
أصبحت جينومات الممرضات القديمة أداة قوية لإعادة النظر في السرديات التاريخية للأمراض. فمن خلال استخراج وتحديد تسلسل شظايا من الحمض النووي الفيروسي أو البكتيري من البقايا البشرية، يستطيع العلماء اختبار افتراضات كانت تعتمد سابقاً على الأعراض الموصوفة في النصوص أو أنماط الدفن أو تراجع السكان. وفي هذه الحالة، مكّن الأسلوب الفريق من ربط البقايا العظمية من تشيلي بتاريخ تطوري أوسع لفيروس variola.
مع ذلك، نادراً ما يجيب الحمض النووي القديم عن كل الأسئلة دفعة واحدة. ويبدو أن الدراسة المعلنة تحدد صلة أوروبية قوية، لكنها لا ترسم وحدها مسار الانتقال الدقيق، ولا عدد مرات الإدخال، ولا السرعة التي انتشر بها المرض عبر مناطق معينة. وغالباً ما تنتشر الأوبئة على شكل موجات، ويمكن للممرضات أن تنتقل أسرع من الجيوش أو المستوطنين عبر التجارة أو الهجرة أو التهجير.
حتى مع ذلك، تظل قيمة النتيجة واضحة. فبدلاً من الاعتماد فقط على إعادة البناء التاريخي الظرفي، أصبح لدى الباحثين الآن جينومات فيروسية من الأمريكتين تقع ضمن سلالة أوروبية من الجدري. وهذا يجعل فرضية الانتقال الاستعماري أكثر ملموسية بكثير.
انعكاسات على البحث التاريخي والعلمي
تشير الدراسة أيضاً إلى اتجاه أوسع في علم الآثار والبيولوجيا التاريخية: يمكن للمجموعات القديمة أن تكشف عن اكتشافات جديدة عندما تُحلل بأدوات حديثة. فقد اكتُشفت مومياوات كامارونيس 9 قبل عقود، لكن التطورات في تقنيات التسلسل وضبط التلوث جعلت بالإمكان طرح أسئلة كان من المستحيل تقنياً الإجابة عنها عند استخراج الرفات لأول مرة.
وهذا مهم للمتاحف والأرشيفات ومواقع الدفن التي دُرست طويلاً حول العالم. فقد لا تزال البقايا البشرية التي جُمعت في القرن العشرين تحتوي على آثار جينية قابلة للاسترجاع لأمراض شكّلت الحروب والهجرات وطرق التجارة والإمبراطوريات. وقد يؤدي إعادة فحص تلك المجموعات إلى تحسين الجداول الزمنية للطاعون والإنفلونزا والسل أو ممرضات أخرى أثرت في تحولات تاريخية كبرى.
وفي حالة الجدري، تعمّق الأدلة التشيلية جزءاً قاتماً لكنه أساسي من السجل التاريخي. فقد جرى القضاء على الفيروس عالمياً في القرن العشرين عبر التطعيم، لكن آثاره التاريخية ما زالت ظاهرة في الانهيار الديموغرافي، واضطراب الثقافات، وبنية الحكم الاستعماري. مثل هذه الاكتشافات لا تغيّر ذلك التاريخ، لكنها تجعل آلياته أسهل في الإثبات وأصعب في التجاهل.
والخلاصة الرئيسية بسيطة: السردية الراسخة بأن الجدري وصل إلى الأمريكتين مع الأوروبيين تحظى الآن بدعم جينومي مباشر من مومياوات من حقبة الإنكا. وللعلم، يمثل ذلك محطة منهجية مهمة. وللتاريخ، هو تأكيد أوضح على كيفية سفر المرض مع الإمبراطورية وتغيير مصائر مجتمعات بأكملها.
هذه المقالة تستند إلى تغطية New Scientist. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on newscientist.com





