الذكاء الاصطناعي يصنع فيروسات وظيفية: الأولى في علم الأحياء التوليدي

في إنجاز تاريخي، استخدم العلماء الذكاء الاصطناعي لتصميم فيروسات من الصفر يمكنها إصابة البكتيريا والتكاثر. هذه هي المرة الأولى التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي تحليل الشفرة الوراثية لكتابة نسخ جديدة كليًا منها. الفيروسات، المعروفة باسم العاثيات أو البكتيريا الآكلة، غير ضارة للإنسان ولكنها مفترسات طبيعية للبكتيريا. البحث، الذي نشر بواسطة فريق يستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي Evo 1 و Evo 2، يمثل خطوة هامة إلى الأمام لمجال علم الأحياء التوليدي الناشئ، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتصميم جزيئات وكائنات بيولوجية جديدة.

فهم العاثيات: مفترسات البكتيريا الطبيعية

العاثيات هي من بين الكيانات البيولوجية الأكثر وفرة وتنوعًا على الأرض، حيث تطورت جنبًا إلى جنب مع البكتيريا لمليارات السنين. وهي متخصصة للغاية، حيث تتعرف على جزيئات محددة على سطح البكتيريا، وتلتصق بها، وتحقن مادتها الوراثية في الداخل. وبمجرد الدخول، تختطف العاثية آلية البكتيريا الجزيئية لإنتاج نسخ جديدة من نفسها. في النهاية، تنفجر الخلية المصابة، وتطلق عاثيات جديدة لإصابة بكتيريا أخرى. هذه الدورة الحياتية تجعل العاثيات مثالية لاختبار قدرات الذكاء الاصطناعي في التصميم البيولوجي. جينوماتها صغيرة للغاية، مما يسمح للباحثين بتصنيع الحمض النووي بسرعة نسبيًا واختبار ما إذا كان يعمل كما هو مقصود. والنتيجة أيضًا ثنائية: إما أن تنتج التعليمات الوراثية عاثية عاملة أو لا تنتج.

الذكاء الاصطناعي وراء الاختراق: Evo 1 و Evo 2

أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في هذه الدراسة، Evo 1 و Evo 2، مصممة للعمل مع التسلسلات الجينية بنفس الطريقة التي تعمل بها نماذج اللغة الكبيرة مثل ChatGPT مع النص. يتعلم نموذج اللغة الأنماط في الكلمات والجمل؛ ويتعلم نموذج الجينوم الأنماط في تسلسلات الحمض النووي. ومع ذلك، فإن الجينوم ليس مجرد سلسلة من التعليمات التي يمكن تغييرها حرفًا بحرف. يجب أن تعمل أجزاؤه المختلفة معًا. في العاثية، يجب أن يحتوي الحمض النووي على تعليمات للتعرف على البكتيريا الصحيحة، والاستيلاء على آلتها، والتكاثر، وتجميع جزيئات فيروسية جديدة. كان على الذكاء الاصطناعي أن يتعلم هذه التفاعلات المعقدة من مجموعات بيانات ضخمة من الجينومات الموجودة.

من التصميم إلى الوظيفة: العملية التجريبية

استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لتصميم مئات النسخ الجديدة من عاثية مدروسة جيدًا. ثم قاموا بتصنيع الحمض النووي لهذه التصميمات في المختبر واختبروها للوظيفة. من بين 285 جينومًا مصممًا بالذكاء الاصطناعي تم اختبارها، أنتج 16 عاثيات عاملة قادرة على إصابة الإشريكية القولونية، وهي بكتيريا شائعة. في حين أن معدل النجاح حوالي 5.6٪ قد يبدو منخفضًا، إلا أنه إنجاز كبير بالنظر إلى تعقيد الجينومات الفيروسية. حقيقة أن أي جينوم مصمم بالذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج فيروسًا وظيفيًا هي شهادة على قوة هذه النماذج.

آثار على علم الأحياء التوليدي

هذا الإنجاز هو خطوة حاسمة لعلم الأحياء التوليدي، وهو مجال يهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء أنظمة بيولوجية جديدة. القدرة على تصميم فيروسات وظيفية من الصفر تفتح إمكانيات عديدة. على سبيل المثال، يمكن هندسة العاثيات لاستهداف بكتيريا ضارة محددة، مما يوفر بديلاً محتملاً للمضادات الحيوية. يمكن أيضًا استخدام العاثيات المصممة بالذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا الحيوية، مثل إنتاج الإنزيمات أو البروتينات الأخرى. علاوة على ذلك، يوضح نجاح Evo 1 و Evo 2 أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تعلم القواعد المعقدة لعلم الجينوم، مما قد يؤدي إلى اختراقات في فهم الأمراض الوراثية وتطوير علاجات جديدة.

ما أظهره الباحثون وما لم يظهروه

من المهم فهم نطاق هذا الإنجاز. أظهر الباحثون أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تصميم جينومات فيروسية وظيفية، لكنهم لم يظهروا بعد أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تصميم فيروسات جديدة تمامًا من الصفر دون أي مرجع إلى الفيروسات الموجودة. العاثيات المصممة في هذه الدراسة كانت مبنية على عاثية مدروسة جيدًا، حيث قام الذكاء الاصطناعي بتوليد اختلافات. هذه خطوة مهمة، لكنها ليست مثل إنشاء فيروس جديد تمامًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن معدل النجاح، على الرغم من كونه واعدًا، يشير إلى أنه لا يزال هناك الكثير لتعلمه حول كيفية تصميم الذكاء الاصطناعي للجينومات الوظيفية. عمل الباحثين هو إثبات للمفهوم، يظهر أن الذكاء الاصطناعي يمكنه توليد تصاميم بيولوجية قابلة للحياة، ولكن هناك حاجة إلى مزيد من التحسين لزيادة الموثوقية.

مستقبل الذكاء الاصطناعي في علم الأحياء

نجاح هذه الدراسة يمهد الطريق لمشاريع أكثر طموحًا. مع تحسن نماذج الذكاء الاصطناعي، قد تكون قادرة على تصميم كائنات أكثر تعقيدًا، مثل البكتيريا أو حتى الخلايا حقيقية النواة. هذا يمكن أن يحدث ثورة في مجالات مثل علم الأحياء الاصطناعي، حيث يهدف العلماء إلى إنشاء كائنات ذات وظائف جديدة. ومع ذلك، فإنه يثير أيضًا مخاوف أخلاقية وسلامة. القدرة على تصميم فيروسات من الصفر يمكن إساءة استخدامها، على سبيل المثال، لإنشاء مسببات أمراض ضارة. من الأهمية بمكان إجراء مثل هذا البحث بمسؤولية، مع الإشراف المناسب وتدابير السلامة. يؤكد الباحثون وراء هذه الدراسة أن عملهم تأسيسي وأنهم ملتزمون بالمبادئ التوجيهية الأخلاقية.

الخلاصة: عصر جديد في الهندسة الوراثية

إن إنشاء فيروسات وظيفية باستخدام الذكاء الاصطناعي هو إنجاز تاريخي يؤكد الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي في علم الأحياء. إنه يوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه فهم الأنظمة البيولوجية فحسب، بل يمكنه أيضًا إنشاؤها، مما يفتح آفاقًا جديدة للبحث والتطبيق. ونحن نقف على أعتاب عصر جديد في الهندسة الوراثية، من الضروري الموازنة بين الابتكار والمسؤولية. عمل الباحثين هو شهادة على البراعة البشرية وقوة الذكاء الاصطناعي، وسيلهم بلا شك المزيد من التقدم في هذا المجال.

هذا المقال مبني على تقرير من Medical Xpress. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on medicalxpress.com