أربعة عقود من الاستماع إلى الشمس

لمدة أربعين سنة، كانت شبكة من التلسكوبات تستمع إلى همسة الشمس. أخيراً فك العلماء من جامعة برمنغهام وجامعة ييل الشفرة التي تكشفها هذه الاهتزازات الدقيقة عن الداخل المخفي لنجمنا. وجدت دراسة جديدة أن البنية الداخلية للشمس تتحول بهدوء بين الدورات الشمسية، محدثة تغييرات قابلة للقياس عميقة تحت سطحها تعمل مثل نبضة إيقاعية تنبض عبر الداخل النجمي.

يعتمد الاكتشاف على بيانات رصد الشمس بالموجات الزلزالية المجمعة على مدار أربع دورات شمسية كاملة، وكشف عن أنماط في التذبذبات الداخلية للشمس لم يتم تحديدها مسبقاً. تظهر هذه الأنماط أن نواة الشمس والمنطقة الإشعاعية تخضعان لتغييرات هيكلية متزامنة مع دورة النشاط الشمسي لمدة 11 سنة ولكنها تتجلى بطرق مختلفة عن الظواهر السطحية مثل البقع الشمسية والانفجارات الشمسية التي درسها علماء الفلك لفترة طويلة.

كيفية عمل رصد الشمس بالموجات الزلزالية

تماماً كما يستخدم الجيولوجيون الموجات الزلزالية لاستكشاف باطن الأرض، يستخدم فيزيائيو الشمس تذبذبات الشمس الطبيعية لدراسة بنيتها الداخلية. الشمس تهتز باستمرار، مع ملايين الموجات الصوتية ترتد عبر داخلها. تسبب هذه الموجات سطح الشمس في الارتفاع والانخفاض بمقادير صغيرة جداً يمكن كشفها بواسطة أجهزة حساسة على الأرض وفي الفضاء.

من خلال تحليل تكرارات هذه الموجات وسعاتها وأوقات سفرها، يمكن للباحثين بناء خرائط مفصلة للظروف الداخلية للشمس، بما في ذلك درجة الحرارة والكثافة وسرعة الدوران على عمق مختلف. تُعرف هذه التقنية باسم رصد الشمس بالموجات الزلزالية، وقد كانت واحدة من أقوى الأدوات في فيزياء الشمس منذ تطورها في السبعينيات والثمانينيات.

استفادت الدراسة الجديدة من خط الأساس طويل البيانات الاستثنائي المتاح الآن. أربعون سنة من الملاحظات المستمرة توفر القوة الإحصائية اللازمة لكشف التغييرات الدقيقة التي ستفتقدها الدراسات الأقصر.

ما تكشفه النبضة

وجد الباحثون أن عدة خصائص للداخل الشمسي تتغير بنمط إيقاعي مرتبط بالدورة الشمسية:

  • تتغير سرعة الموجات الصوتية التي تنتقل عبر الداخل الشمسي بشكل منتظم بين الحد الأقصى والحد الأدنى للشمس
  • تظهر الحدود بين المناطق الحملية والإشعاعية تغييرات قابلة للقياس في الموضع
  • تتغير أنماط الدوران الداخلي بطرق ترتبط بنشاط المغناطيس السطحي
  • تتذبذب ملامح درجة الحرارة والكثافة على أعماق محددة مع الدورة التي مدتها 11 سنة

تشير هذه الأنماط إلى أن الدورة الشمسية ليست مجرد ظاهرة سطحية مدفوعة بديناميكيات المجال المغناطيسي بل تعكس تغييرات هيكلية أعمق في جميع أنحاء الشمس. استعارة النبضة مناسبة لأن التغييرات دورية وقابلة للتنبؤ وتعكس الحالة الأساسية للنظام، تماماً كما تكشف النبضة معلومات عن صحة القلب والأوعية الدموية.

الآثار المترتبة على طقس الفضاء

يحمل فهم الديناميكيات الداخلية للشمس أهمية عملية للتنبؤ بطقس الفضاء. العواصف الشمسية، التي يمكن أن تلحق الضرر بالأقمار الصناعية وتعطل الاتصالات وحتى تهدد شبكات الكهرباء على الأرض، تنشأ من النشاط المغناطيسي الذي يحركه في النهاية العمليات العميقة داخل الشمس.

يعتمد التنبؤ الحالي بطقس الفضاء بشكل كبير على ملاحظات السطح الشمسي، والتي توفر وقت إنذار محدود للتنبؤ بالأحداث الخطيرة. إذا ثبت أن التغييرات الهيكلية الداخلية المحددة في هذه الدراسة علامات موثوقة على النشاط السطحي، فيمكنها توفير أداة جديدة للتنبؤ بالعواصم الشمسية بدقة أكبر وأوقات إنذار أطول.

الرهانات الاقتصادية كبيرة. قد تسبب عاصفة شمسية كبرى تضرب الحضارة المعتمدة على التكنولوجيا على الأرض أضراراً يُقدر بها بتريليونات الدولارات. حتى التحسينات المتواضعة في دقة التنبؤ يمكن أن تساعد مشغلي الأقمار الصناعية ومديري شبكات الكهرباء والجهات المعنية الأخرى على اتخاذ تدابير وقائية قبل أن تتطور الظروف الخطيرة.

نافذة جديدة على فيزياء النجوم

لهذا الاكتشاف أيضاً آثار على فهم النجوم الأخرى. بينما تعتبر الشمس النجم الوحيد الذي يمكن دراسة داخله بالتفصيل من خلال رصد الشمس بالموجات الزلزالية، فإن المبادئ التي كشفتها هذه الدراسة تنطبق على النجوم المماثلة في جميع أنحاء المجرة. أن الدورات النجمية تتضمن تغييرات هيكلية في جميع أنحاء الداخل وليس فقط التأثيرات المغناطيسية السطحية، مما يضيف بعداً جديداً لفيزياء النجوم الذي يمكن أن يحسن نماذج تطور النجوم والسلوك.

تخطط فريق البحث لمتابعة مراقبة تذبذبات الشمس الداخلية مع تقدم الدورة الشمسية الحالية نحو أقصاها المتوقع. ستساعد دورات البيانات الإضافية في تحديد ما إذا كانت الأنماط المحددة في هذه الدراسة دورية حقاً أم أنها تختلف من دورة إلى أخرى بطرق تكشف حقائق أعمق حول العمليات التي تمول أقرب نجم إلينا.

النظر إلى الأمام

تمثل الدراسة انتصاراً للملاحظة العلمية طويلة الأجل. مجموعة البيانات التي مدتها أربعون سنة التي جعلت الاكتشاف ممكناً تطلبت استثماراً مستمراً في البنية التحتية لمراقبة الشمس والصبر لجمع البيانات على مدى دورات شمسية متعددة قبل استخلاص النتائج. إنه تذكير بأن بعض أهم الاكتشافات العلمية لا تتطلب فقط تجارب ذكية بل التفاني في مراقبة مستمرة، سنة بعد سنة، حتى تنبثق الأنماط أخيراً من الضوضاء.

يستند هذا المقال إلى التقارير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.