محاولة جديدة للتفكير بعد النظرية الكمية

لا تزال ميكانيكا الكم واحدة من أنجح النظريات في العلم، لكن الفيزيائيين يعرفون منذ زمن طويل أنها غير مكتملة. فهي تصف العالم على المقاييس الصغيرة بدقة استثنائية، لكنها تواجه صعوبات عندما تصطدم بالجاذبية وبأكبر البنى في الكون. وهذا التوتر هو ما يجعل العمل الجديد على ما يُسمى بالنظريات ما بعد الكمية جديرًا بالمتابعة.

تقول New Scientist إن جيمس هيفورد من المعهد الوطني للبحث في العلوم والتكنولوجيا الرقمية ومات ويلسون من جامعة باريس-ساكليه قد طوّرا مسودة رياضية لعالم محتمل ما بعد كمي. ويُقدَّم إطار عملهما، المسمى نظرية QBox، لا بوصفه بديلًا نهائيًا لميكانيكا الكم، بل كنموذج للتفكير في الشكل الذي قد تبدو عليه طبقة أعمق من الواقع.

الفكرة طموحة لأنها تتناول إحدى أصعب المشكلات المفاهيمية في الفيزياء: إذا لم تكن النظرية الكمية هي الطبقة النهائية، فكيف يمكن لنظرية أكثر أساسية أن تنبثق منها؟

القياس مع الفيزياء الكلاسيكية

استلهم الباحثان الفكرة من العلاقة بين العالم الكلاسيكي والعالم الكمي. ففي الحياة اليومية، لا نلاحظ عادة غرائب كمية صريحة مثل التراكب في الأشياء المألوفة. والسبب هو إزالة التماسك، أي العملية التي يؤدي فيها التفاعل مع البيئة إلى قمع السلوك الكمي القابل للرصد وجعل العالم الكلاسيكي يظهر.

يمدد هيفورد وويلسون هذا المنطق مستوى أعمق. ويقترحان أن عملية مماثلة تُسمى فرط إزالة التماسك قد تسمح بظهور النظرية الكمية العادية من نظرية ما بعد كمية أكثر أساسية. وبالمعنى العملي، وكما يمكن النظر إلى الفيزياء الكلاسيكية على أنها الحد الكبير المتزيل التماسك من السلوك الكمي، فقد تكون ميكانيكا الكم نفسها هي السطح المحدود الناشئ من ركيزة أعمق.

وهذه خطوة مفاهيمية جذابة لأنها تحافظ على نمط يعرفه الفيزيائيون بالفعل: يمكن أن تنشأ القوانين الظاهرة في مستوى ما من قوانين أغرب في الأسفل.

النظرية التي وقفت عائقًا

التحدي هو أن هذا الخط من التفكير اصطدم بعائق رياضي كبير. وتشير New Scientist إلى أن نظرية من عام 2018 بدت وكأنها تثبت استحالة بناء عملية فرط إزالة تماسك معقولة ومتسقة داخليًا تعيد إنتاج النظرية الكمية على نحو صحيح.

كانت تلك النتيجة السابقة مهمة لأنها قيّدت فئة كاملة من الأفكار ما بعد الكمية. وكانت توحي بأن القياس مع النشوء الكلاسيكي قد لا يعمل بالفعل في الطبقة الأدنى. وإذا كان الأمر كذلك، فسيحتاج المنظرون إلى مسار مختلف تمامًا نحو أي نظرية أعمق.

ما يجعل QBox ملفتة هو أن هيفورد وويلسون يُوصَفان بأنهما وجدا طريقًا جديدًا إلى المشكلة رغم هذا الحاجز. ولا يقدم النص المرفق الآلية التقنية الكاملة، لكنه يوضح أن النموذج يعيد فتح مساحة وجدها كثير من الباحثين صعبة الصياغة.

لماذا يواصل الفيزيائيون البحث عما وراء النظرية الكمية

الدافع مباشر. فميكانيكا الكم والجاذبية كلاهما لا غنى عنهما، لكنهما لم يندمجا بعد بشكل متقن في نظرية كاملة للجاذبية الكمية. ويمكن للفيزيائيين أن يحسبوا الكثير باستخدام كل إطار في مجاله الخاص، لكن التوحيد الأعمق لا يزال غير محسوم.

تترك هذه الحالة غير المحسومة مجالًا للتساؤل عمّا إذا كانت ميكانيكا الكم أساسية أم ناشئة. وإذا كانت ناشئة، فقد تُفهم الظواهر التي تبدو اليوم كمية على نحو غير قابل للاختزال بوصفها بقايا مرئية لقواعد أعمق.

وكما ورد في المقال المرفق، يقول هيفورد إن النظرية الكمية لا تصف الكون كله، وإن نظرية للجاذبية الكمية ينبغي أن تتجاوز النظرية الكمية نفسها. وهذا هو السياق العلمي الأساسي الذي تقع فيه QBox.

مسودة نظرية، لا رؤية نهائية للعالم

من المهم توخي الحذر هنا. يصف المقال QBox بأنها مسودة رياضية لعالم محتمل ما بعد كمي. وهذا لا يعني أن طبقة أعمق من الواقع قد تم اكتشافها. كما أن النص المرفق لا يدعي وجود تأكيد تجريبي.

بدلًا من ذلك، تكمن أهميتها في كونها مفاهيمية ورياضية. يقدم العمل صورة صورية لكيفية تنظيم طبقة ما بعد كمية مع الاستمرار في السماح بظهور النظرية الكمية المألوفة. وفي الفيزياء الأساسية، حتى هذا يعد نتيجة ذات معنى لأنه يوسّع مجموعة النماذج التي يمكن للباحثين اختبارها.

ويشير اسم QBox نفسه إلى إطار عمل أكثر من كونه عقيدة تفسيرية مكتملة. وفي الوقت الحالي، تكمن قيمته في إظهار أن البحث عن بنية متسقة ما بعد كمية لا يزال نشطًا، وقد يكون أقل انسدادًا رياضيًا مما اقترحته بعض الأعمال السابقة.

لماذا تبدو الفكرة مقلقة إلى هذا الحد

ميكانيكا الكم بالفعل مشهورة بخرقها الحدس العادي. فهي تسمح بالتراكب والنفق واللايقين والارتباطات غير الكلاسيكية التي بدت مستحيلة يومًا ما. لذلك فإن نظرية ما بعد كمية ناجحة لن تعيد الحس السليم. بل قد تجعل الواقع يبدو أغرب من ذلك.

وهذا جزء من سبب جاذبية الطرح في New Scientist. فالمقصود هنا ليس تصحيحًا مرتبًا لميكانيكا الكم، بل إطار أعمق تنبثق منه غرابة الكم نفسها بوصفها ظاهرة سطحية مبسطة.

مثل هذه الإمكانية مزعزعة فلسفيًا. فهي تعني أن ما يراه البشر اليوم البنية العميقة للطبيعة قد يكون بدوره مؤقتًا، تمامًا كما كانت الميكانيكا الكلاسيكية قبل الثورة الكمية.

ما الذي يأتي بعد ذلك

لا يصف التقرير المرفق اختبارات تجريبية فورية، وهذا ليس مستغربًا. فالأفكار في هذا المستوى من الفيزياء النظرية غالبًا ما تنضج عبر اختبارات الاتساق الداخلي، والمقارنة مع الأطر القائمة، والتحسين التدريجي قبل أن تتصل بتنبؤات قابلة للقياس.

ومع ذلك، فإن نظرية QBox مهمة لأن تقدم الفيزياء الأساسية لا يأتي من البيانات الجديدة فقط، بل أيضًا من البنى المفاهيمية الأفضل. فالنموذج الذي يوضح مسارًا محتملًا من نظرية أعمق إلى ميكانيكا الكم يمكن أن يؤثر في كيفية صياغة الباحثين لمشكلة الجاذبية الكمية وفي نوع الرياضيات التي يجربونها بعد ذلك.

وبهذا المعنى، لا تكمن قيمة QBox في أنها حلت اللغز، بل في أنها تشير إلى أن اللغز ما زال مفتوحًا بطريقة مثمرة. قد تظل ميكانيكا الكم أفضل دليل لدينا على العالم المجهري، لكن أعمالًا كهذه تبقي احتمال أنها ليست الكلمة الأخيرة حيًا. وإذا ثبت أن ذلك صحيح، فقد يكون الواقع أغرب مما أعدتنا له الفيزياء الكمية نفسها.

هذه المقالة مبنية على تغطية New Scientist. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on newscientist.com