ربما فضّلت الفوضى القديمة النباتات المثقلة وراثيًا
تهيمن النباتات المزهرة على جزء كبير من العالم الحديث، من الغابات والمراعي إلى المزارع والحدائق. ويشير تحليل تطوري جديد إلى أن جزءًا من هذا النجاح قد يعود إلى سمة غالبًا ما تُعد عبئًا أكثر من كونها فائدة: الجينومات المكررة. ووفقًا لبحث لخصته مجلة New Scientist، ربما ساعد التضاعف العشوائي للجيلوم الكامل كاسيات البذور على النجاة من بعض أكثر الفترات البيئية اضطرابًا على الأرض، بما في ذلك الكارثة المرتبطة بانقراض الديناصورات غير الطيرية.
الفكرة تبدو غير بديهية. ففي كثير من الكائنات، قد يؤدي حمل نسخ إضافية من الكروموسومات إلى مشكلات خطيرة. قد يتأثر النمو، وقد تصبح عملية التكاثر أكثر صعوبة، كما أن البقاء التطوري طويل الأمد ليس مضمونًا على الإطلاق. ومع ذلك، ففي أوقات الضغط الكوكبي الشديد، قد تتحول هذه الأعباء أحيانًا إلى أصول.
ما معنى تعدد الصيغ الصبغية
معظم الكائنات التي تتكاثر جنسيًا تحمل نسختين من كل كروموسوم، واحدة من كل والد. أما النباتات فغالبًا ما تختلف بما يكفي لتجعل هذه القاعدة تبدو مرنة. فكثير منها قد ينتهي به الأمر إلى امتلاك أكثر من نسختين، وهي حالة تُعرف بتعدد الصيغ الصبغية. وتُعد البطاطس وبعض أنواع القمح أمثلة مألوفة على النباتات ذات المجموعات الإضافية من الكروموسومات.
بين النباتات المزهرة، يُعد تعدد الصيغ الصبغية شائعًا في الوقت الحاضر. ويشير التقرير الأصلي إلى أن نحو ثلث كاسيات البذور الحية اليوم متعددة الصيغ الصبغية. لكن التاريخ الأعمق لهذه السمة كان أصعب في التفسير. فقد أشارت تحليلات سابقة إلى أن تكرارات الجينوم القديمة كانت نادرة نسبيًا لأن كثيرًا من السلالات متعددة الصيغ الصبغية اختفت في النهاية.
والعمل الجديد يطرح سؤالًا أكثر حدة: إذا كانت هذه السلالات ذات الجينومات المكررة قد فنيت بهذا العدد الكبير، فلماذا استمر بعضها وانتشر؟
سجل تطوري طويل
للتحقيق في ذلك، حلل الباحثون جينومات 470 نوعًا من كاسيات البذور واستخدموها لبناء شجرة تطورية تمتد لنحو 150 مليون سنة. وعبر هذا التاريخ، حددوا 132 حدثًا قديمًا لتضاعف الجينوم وؤرّخوها. ولم تكن هذه الأحداث موزعة بالتساوي عبر الزمن، بل تركزت في تسع فترات ما قبل تاريخية بين نحو 108 ملايين و14 مليون سنة مضت.
والنتيجة اللافتة هي أن معظم هذه التجمعات تزامنت مع اضطرابات بيئية أو جيولوجية كبرى، بما في ذلك التحولات المناخية وتغير مستويات الأكسجين والانقراضات الجماعية. وقد تزامنت إحدى الفترات مع عصر اصطدام الكويكب في نهاية العصر الطباشيري، حين اختفت الديناصورات.
يوحي هذا النمط بأن تكرار الجينوم ربما صار أكثر قيمة مرارًا عندما أصبح العالم غير مستقر. ففي الفترات الهادئة، ربما كانت السمة أكثر كلفة من فائدتها. أما في فترات الأزمة، فقد تتغير معادلتها التطورية.
لماذا قد تساعد الجينومات الإضافية في الأوقات السيئة
الآلية المقترحة ليست أن الحمض النووي المكرر مفيد تلقائيًا. ففي معظم الأوقات، قد يكون ضارًا. لكن الاضطراب البيئي يغير ضغوط الانتقاء بسرعة. وعندما تتحول المواطن، وتتقلب المناخات، وتنهار النظم البيئية أو تعاد هيكلتها، فقد تمتلك السلالات التي تملك مادة وراثية خامًا أكثر طرقًا أكبر للتكيف.
يمكن للنسخ الإضافية من الجينات أن تخلق نوعًا من التكرار البيولوجي. وقد يمنح هذا التكرار مساحة للتجريب التطوري. فنسخة واحدة يمكن أن تواصل أداء وظيفة أساسية، بينما تكون أخرى حرة في الانحراف أو الطفرات أو تولي دور معدل. في الظروف المستقرة، قد لا تبرر هذه المرونة تكاليفها. أما تحت الضغط الشديد، فقد تصبح طريقًا إلى البقاء.
ويتسق هذا المفهوم مع رؤية أوسع للتطور بوصفه عملية تعتمد على الظروف وليست تقدمًا منتظمًا. فالسمات التي تبدو مهدرة في حقبة ما قد تصبح حاسمة في أخرى. ويبدو أن تعدد الصيغ الصبغية واحد من تلك السمات. فقد يقلل من الملاءمة في الأوقات العادية، لكنه قد يتحول إلى مخزون من القدرة على التكيف عندما تصبح الظروف فوضوية.
لماذا تهم كاسيات البذور
النباتات المزهرة ليست مجرد فضول هامشي. فهي تشكل أساس النظم البيئية البرية والزراعة البشرية. وفهم كيف نجت من الصدمات الكوكبية السابقة مهم ليس فقط لإعادة بناء ما قبل التاريخ، بل أيضًا للتفكير في الصمود في مواجهة التغير البيئي الحديث.
ولا تعني الدراسة أن النباتات تستطيع بسهولة تحمل أي اضطراب. لكنها تشير إلى أن بعض المرونة الظاهرة في كاسيات البذور الحديثة ربما صيغت عبر مواجهات متكررة مع الكوارث. وقد تعكس الوفرة الحالية جزئيًا مرشحات بقاء فُرضت قبل عشرات الملايين من السنين.
وهذا يساعد أيضًا في تفسير لغز تطوري طويل الأمد. فإذا كان تعدد الصيغ الصبغية مكلفًا إلى هذا الحد، فلماذا لا يزال واسع الانتشار في النباتات المزهرة؟ قد تكون الإجابة أن الأزمات العالمية النادرة لكن الشديدة أعادت ضبط الكفة لصالحه مرارًا.
تذكير عن النجاة والصدفة
نتائج الدراسة تاريخية وإحصائية، وليست إعادة تشغيل مباشرة للأنظمة البيئية القديمة. فالارتباط بفترات الاضطراب لا يثبت المسار البيولوجي الدقيق لكل سلالة. فقد اختفت بعض الجينومات المكررة، كما نجت نباتات كثيرة غير متعددة الصيغ الصبغية أيضًا. ونادرًا ما يقدم التطور تفسيرات ذات سبب واحد.
مع ذلك، يبقى النمط قويًا. فهو يشير إلى أن الاضطراب البيئي الكبير لم يقتصر على القضاء على الأنواع؛ بل ربما انتقى أيضًا أشكالًا من المرونة الخفية التي بدت غير فعالة من قبل. وبهذا المعنى، قد تدين النباتات المزهرة بجزء من هيمنتها الحديثة إلى أخطاء تكاثرية تحولت بشكل غير متوقع إلى شيء مفيد عندما كان الكوكب تحت الضغط.
إنها مراجعة مقنعة لقصة مألوفة. فالانقراضات الجماعية تُطرح غالبًا بوصفها خسارة فقط. لكن هذا البحث يسلط الضوء على السمات التي ربما جعلت بقاء بعض السلالات اللاحقة ممكنًا. وفي حالة كاسيات البذور، ربما كان حمل جينومات إضافية أحد المزايا الصامتة التي سمحت لها بعبور أزمات كوكبية متكررة، وفي النهاية إعادة تشكيل العالم الحي.
تعتمد هذه المقالة على تقرير من New Scientist. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on newscientist.com




