يؤثر السكري من النوع الأول في أكثر من 9 ملايين شخص حول العالم، بينهم نحو 1.8 مليون طفل ومراهق. وبالنسبة للعائلات التي تتعامل مع هذه الحالة، فإن العبء مستمر: إذ يجب إدارة الأنسولين والتمارين الرياضية والنظام الغذائي بعناية من سن مبكرة جداً. ولأن المرض يتشكل بفعل عوامل وراثية معقدة، فقد درس الباحثون أيضاً التعرضات البيئية، ومن بينها الأعداد الهائلة من الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء وتتغير بشكل كبير خلال مرحلة الطفولة المبكرة.

تشير نتائج جديدة من دراسة مستقبلية قادها باحثون في Mass General Brigham ومعهد Broad التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد وكلية هارفارد ت.ه. تشان للصحة العامة إلى أن وتيرة نضوج ميكروبيوم الأمعاء لدى الطفل قد تحمل أدلة حول خطر الإصابة بالمرض مستقبلاً. وقد نُشر العمل في مجلة Nature Metabolism.

فرق في الخطر يبلغ ثلاثة أضعاف مرتبط بتوقيت الميكروبيوم

النتيجة المحورية لافتة ببساطتها. فبين الأطفال الذين يحملون خطراً وراثياً مرتفعاً للإصابة بالسكري من النوع الأول، واجه أولئك الذين استقر تطور ميكروبيوم أمعائهم مبكراً خطراً للإصابة بالمرض يبلغ نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالأطفال الذين واصلت ميكروبيوماتهم النضوج وفق المسار المتوقع.

وبعبارة أخرى، لم يكن تركيب المجتمع الميكروبي في الأمعاء وحده هو ما يبدو مهماً، بل المسار نفسه أيضاً، سواء واصل ذلك المجتمع التطور والتنوع أو توقف عند مرحلة أبكر.

العوامل الوراثية تعدّل العلاقة بالميكروبيوم

وجد الباحثون أيضاً أن العوامل الوراثية للطفل أثّرت في قوة العلاقة بين نضوج الميكروبيوم وخطر المرض. ويشير هذا التفاعل إلى أن العلاقة ليست موحدة لدى جميع الأطفال: إذ يبدو أن الخطر الموروث والتطور الميكروبي يعملان معاً وليس كل على حدة، ما يعقّد أي تفسير بسيط وموحّد للنتائج.

داخل دراسة TEDDY

يعتمد التحليل على دراسة TEDDY، وهي جهد رصدي طولي تابع أطفالاً معرضين لخطر وراثي مرتفع للإصابة بالسكري من النوع الأول مع مرور الوقت. وفي هذا العمل، تابع الفريق 887 طفلاً وحلّل أكثر من 12,000 عينة براز جُمعت خلال سنواتهم الست الأولى من الحياة، ورسم كيفية تغير ميكروبيوم الأمعاء لدى كل طفل.

وجاء المشاركون من أربع دول:

  • فنلندا
  • ألمانيا
  • السويد
  • الولايات المتحدة

ومن خلال أخذ عينات متكررة من الأطفال أنفسهم بدلاً من مقارنة غرباء في لحظة واحدة، أتاح التصميم للباحثين مراقبة النضوج وهو يتكشف داخل الأفراد، وهي ميزة أساسية عندما يتعلق السؤال بالتوقيت لا بلقطة واحدة.

وحددت الدراسة ثلاثة أنماط متميزة لتطور الميكروبيوم بين المشاركين، وارتبطت الاختلافات في كيفية تطور هذه المسارات بنتائج المرض لاحقاً.

لماذا يهم التوقيت في السكري من النوع الأول

لا يظهر السكري من النوع الأول بين عشية وضحاها. إذ يبدأ الجهاز المناعي مهاجمة الخلايا المنتجة للأنسولين قبل سنوات من ملاحظة الأعراض. ولرصد تلك النافذة الخفية، احتسب الباحثون إصابة الطفل بعملية المرض عندما كشفت اختبارات الدم أولى علامات هذا الهجوم المناعي، أو عندما تلقى الطفل تشخيصاً سريرياً بالسكري من النوع الأول.

وهذا النهج مهم لأنه يتجاوز بعض التأخير المتأصل في التشخيص القائم على الأعراض. فمن خلال الاستناد إلى دليل بيولوجي على المناعة الذاتية، تمكن الفريق من فحص ما إذا كان تطور الميكروبيوم قد انحرف قبل أن يصبح المرض ظاهراً سريرياً، وهو سؤال يصعب الإجابة عنه بأثر رجعي.

نحو تنبؤ ووقاية أبكر

وقد صاغ المؤلف المشارك المراسل دانيال وانغ، وهو عالم مشارك في قسم تشانينغ لطب الشبكات في قسم الطب بـ Mass General Brigham، stakes من حيث ما يمكن أن يفتحه العلم المبكر.

وأشار وانغ إلى أن العبء المرضي للسكري من النوع الأول كبير على الأطفال وعائلاتهم، ويتطلب إدارة دقيقة للأنسولين والتمارين الرياضية والنظام الغذائي من سن مبكرة جداً. وأضاف أن فهم دور تطور الميكروبيوم في تقدم السكري قد يؤدي إلى استراتيجيات للتنبؤ والوقاية المبكرين، ما يمنح الأطباء خيارات أكثر لتأخير أو حتى منع الظهور السريري للمرض.

وبالنسبة للعائلات، فإن هذا الاحتمال ذو معنى. فإشارة تحدد خطراً مرتفعاً خلال السنوات الأولى من الحياة قد تفتح نافذة لمراقبة أدق، أو تدخلات غذائية، أو الانضمام إلى تجارب وقائية، قبل وقت طويل من استنفاد الخلايا المنتجة للأنسولين.

قراءة النتائج بحذر مناسب

تستحق عدة تحفظات الانتباه. فهذه دراسة رصدية، لذا يمكنها كشف ارتباطات بين نضوج الميكروبيوم وخطر المرض لكنها لا تستطيع بحد ذاتها إثبات أن توقف التطور الميكروبي يسبب السكري من النوع الأول. كما أن الأطفال المسجلين اختيروا لأنهم يحملون بالفعل خطراً وراثياً مرتفعاً، لذا قد لا تنطبق النتائج على عموم السكان. ومسار الميكروبيوم ليس مقبضاً بسيطاً؛ فهو يعكس النظام الغذائي والعدوى والأدوية والجغرافيا وعدداً لا يحصى من التعرضات الأخرى التي يواصل الباحثون فك تشابكها.

كما أن التفاعل الوراثي الذي وثقه الفريق يعني أن إشارات الخطر القائمة على الميكروبيوم قد تحتاج في النهاية إلى تفسير إلى جانب الملف الموروث للطفل وليس بدلاً منه.

الصورة الأكبر

تحرك أبحاث السكري من النوع الأول بشكل متزايد نحو المراحل الأبكر، مع التركيز على السنوات التي تسبق ظهور الأعراض حين يكون الهجوم المناعي قد بدأ بالفعل. ويُعد ميكروبيوم الأمعاء هدفاً جاذباً في هذا المسعى لأنه قابل للتعديل من حيث المبدأ، ولأنه ينضج خلال النافذة التطورية نفسها التي تبدأ فيها المناعة الذاتية غالباً.

وتمنح المتابعة الطويلة لأتراب TEDDY وأخذ العينات الكثيف هذه النتائج ثقلاً غير معتاد، كما أن كون النتائج جاءت من دراسة تمتد عبر أربع دول يعزز الرأي بأن هناك شيئاً حقيقياً يُلاحظ. ومع ذلك، فإن تحويل إشارة إحصائية إلى أداة سريرية، أداة يمكن أن تخبر أحد الوالدين بشيء مفيد وقابل للتنفيذ حول مستقبل طفله، سيتطلب التحقق في مجموعات سكانية إضافية وصورة أوضح لما يدفع فعلاً تطور الميكروبيوم إلى التوقف.

وفي الوقت الحالي، تضيف الدراسة قطعة مقنعة إلى أحجية قاومت الإجابات السهلة: قد تكمن أصول السكري من النوع الأول جزئياً في السنوات الأولى من الحياة، في المجتمعات الميكروبية التي تنمو إلى جانب الطفل.

يعتمد هذا المقال على تقرير لـ Medical Xpress. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on medicalxpress.com