مقدمة
لطالما أدهش قمر زحل تيتان العلماء بوصفه أحد أكثر العوالم شبهًا بالأرض في النظام الشمسي. فمع غلاف جوي كثيف وأنهار وبحيرات وبحار، يُعد تيتان عالمًا من الميثان والإيثان بدلًا من الماء. والآن، تكشف دراسة جديدة أجراها علماء كواكب في جامعة هاواي في مانوا أن تيتان قد يبقى دافئًا بفضل بطانية من جليد الميثان بسماكة 9 كيلومترات. وقد يحل هذا الاكتشاف لغزين قديمين: لماذا تبدو فوهات تيتان ضحلة على نحو غير معتاد، وكيف يتجدد الميثان الذي تدمره أشعة الشمس في غلافه الجوي؟
لغز فوهات تيتان
عندما رسمت مركبة كاسيني سطح تيتان، وجدت فوهات اصطدام كانت أقل عمقًا بكثير مما كان متوقعًا لعالم بارد وصلب. ففي معظم الأقمار الجليدية، تخلّف الاصطدامات أحواضًا عميقة تبقى لمليارات السنين. لكن فوهات تيتان تبدو وكأنها استرخت، كما لو أن السطح ينساب ببطء. وافترض العلماء أن القشرة العليا قد تتكون من مادة تعزل الداخل وتحافظ عليه دافئًا ومرنًا. وقد نمذجت الدراسة الجديدة قشرة تيتان على أنها كلاثرات الميثان، وهو جليد صلب تحتجز فيه جزيئات الميثان داخل بنية بلورية من جليد الماء. وأظهرت النتائج أن قشرة من الكلاثرات بسماكة تتراوح بين 2 و9 كيلومترات تنتج أعماق فوهات تتوافق مع ملاحظات كاسيني. ولم تستطع أي مادة أخرى محاكاة هذه الفوهات الضحلة.
كلاثرات الميثان: عازل فائق
كلاثرات الميثان أقوى وأكثر قدرة على العزل بكثير من جليد الماء العادي. ويمكن تشبيهه بالفرق بين نافذة أحادية الزجاج وثلاثية الزجاج. فالقشرة الكلاثراتية تحبس الحرارة تحتها، ما يبقي الغلاف الجليدي السفلي دافئًا بما يكفي للانسياب ببطء مع الوقت. وهذا التدفق البطيء يجعل الفوهات تسترخي وتصبح ضحلة. كما يفسر تأثير العزل لماذا يظل باطن تيتان نشطًا جيولوجيًا رغم درجة حرارة سطحه المتجمدة البالغة سالب 179 درجة مئوية. وتمنع بطانية الكلاثرات تسرب الحرارة، ما يسمح للمحيط تحت السطحي وطبقات الجليد بالبقاء دافئة ومتحركة.
تجديد غلاف تيتان الجوي
لغز آخر طويل الأمد هو كيف يحافظ تيتان على غلافه الجوي الغني بالميثان. فشعاع الشمس يكسر جزيئات الميثان باستمرار، ومع ذلك يظل الغلاف الجوي مشبعًا. وقد اقترح العلماء مصادر مختلفة، مثل البراكين الجليدية أو تسربات الميثان. وتقترح الدراسة الجديدة أن قشرة كلاثرات الميثان نفسها قد تكون المصدر. فمع تحلل الكلاثرات ببطء بفعل الحرارة أو الاصطدامات، تُطلق غاز الميثان إلى الغلاف الجوي. وهذا من شأنه أن يوفر إمدادًا ثابتًا من الميثان، موازنًا الفقد الناتج عن الكيمياء الضوئية. وتعمل قشرة الكلاثرات كغطاء حراري وخزان للميثان في الوقت نفسه، ما يربط اللغزين في حل واحد.
دلالات على قابلية تيتان للسكن
يحمل هذا الاكتشاف آثارًا عميقة على إمكانية صلاحية تيتان للسكن. فالباطن الدافئ والمرن قد يدعم محيطًا تحت سطحي من الماء السائل، وهو عنصر أساسي للحياة. كما يشبه دورة الميثان على تيتان دورة الماء على الأرض، مع أمطار وأنهار وبحار من الميثان. وإذا كانت قشرة الكلاثرات تطلق الميثان بنشاط، فقد تخلق بيئات يحدث فيها كيمياء عضوية معقدة. وستستكشف بعثات مستقبلية، مثل المسبار الجوي Dragonfly التابع لناسا، سطح تيتان وغلافه الجوي، وقد تختبر هذه الفرضية. كما أن فهم جيولوجيا تيتان ومناخه قد يسلط الضوء أيضًا على الكواكب الخارجية ذات الأغلفة الجوية الغنية بالميثان.
الخلاصة
إن فكرة أن تيتان يُحافَظ على دفئه بواسطة بطانية من جليد الميثان بسماكة 9 كيلومترات تبدو غريبة إلى حد يصعب تصديقه، لكن الأدلة مقنعة. وتقدم الدراسة الجديدة من جامعة هاواي في مانوا تفسيرًا أنيقًا لفوهات تيتان الضحلة وتجدد الميثان. كما تبرز مقدار ما لا يزال علينا تعلمه عن هذا العالم الغريب. ومع استعدادنا لإرسال Dragonfly إلى تيتان في السنوات القادمة، سيوجه هذا الاكتشاف بحثنا عن علامات الحياة والعمليات التي تشكل هذا القمر المدهش.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com


