علماء الفلك يحددون «بيفاترون» بروتونيًا في درب التبانة قرب الطائر
يقول علماء الفلك إنهم نجحوا في تحديد أحد أقوى مسرعات الجسيمات الطبيعية في درب التبانة، ما يقدم دليلًا قويًا بشكل غير معتاد على مصدر طال البحث عنه لبروتونات الأشعة الكونية الأعلى طاقة في المجرة.
يقع الجسم المعروف باسم LHAASO J1912+1014u في اتجاه النجم الطائر، وكان قد جذب الانتباه سابقًا بعد أن رصدت ملاحظات سابقة أشعة غاما فائقة الطاقة قادمة من المنطقة. الجديد ليس فقط أن المصدر ساطع أو شديد التطرف، بل أن الباحثين يقولون الآن إنهم قادرون على تعريفه تحديدًا بوصفه بيفاترونًا بروتونيًا، أي مسرعًا فلكيًا قادرًا على دفع البروتونات إلى طاقات البيتا-إلكترون-فولت.
وتكمن أهمية ذلك في أن الأشعة الكونية ظلت لعقود سؤالًا عنيدًا في الفيزياء الفلكية. فهي في معظمها بروتونات، وبعضها يصل إلى طاقات تفوق بكثير ما يمكن للمسرعات التي يصنعها البشر إنتاجه. وقد امتلك العلماء نظريات قوية حول مصدر جزء منها على الأقل، لكن إثبات أن جسمًا مجريًا محددًا يسرّع البروتونات عند هذه الطاقات بدلًا من الإلكترونات كان أصعب بكثير.
لماذا يصعب تأكيد البيفاترونات
البيفاترون هو في الأساس آلة كونية يمكنها تسريع الجسيمات إلى نحو بيتا-إلكترون-فولت واحد. والمقياس هائل. وكما ورد في المادة الأصلية، فهذا يعادل تقريبًا ألف مرة الطاقة التي يصل إليها مصادم الهادرونات الكبير. وإذا وُجدت مثل هذه المسرعات في درب التبانة، فإنها ستفسر كيف يتولد جزء من أعلى الأشعة الكونية المجرية طاقةً.
المشكلة هي أن علماء الفلك يكتشفون هذه البيئات عادةً بشكل غير مباشر. فعندما تصطدم الجسيمات فائقة الطاقة بالغاز أو بحقول الإشعاع المحيطة، يمكنها إنتاج أشعة غاما. هذه الأشعة قابلة للرصد، لكنها لا تكشف دائمًا نوع الجسيم الذي صنعها. كما أن الإلكترونات فائقة الطاقة يمكنها أن تنتج بصمات أشعة غاما تشبه تلك التي تولدها البروتونات، ما يترك مجالًا للغموض.
رُصد LHAASO J1912+1014u لأول مرة في عام 2024 بواسطة مراصد في التبت والصين لأنه كان يصدر أشعة غاما عند طاقات عالية للغاية. وهذا جعله مرشحًا جديًا لبيفاترون. لكن المرشح ليس تأكيدًا. فمن دون دليل أفضل، كان من الممكن تفسير المصدر بالإلكترونات السريعة أو ببقايا أكثر اعتيادية لحدث عنيف مثل انفجار نجمي.
قضية مبنية على عدة مراصد
عالجت الدراسة الجديدة هذا الغموض عبر الجمع بين أدلة من أجزاء مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي بدلًا من الاعتماد على أداة واحدة فقط. ووفقًا للنص الأصلي، جمع فريق بقيادة تسونيومي ميزونو من جامعة هيروشيما أرصادًا من تلسكوب فيرمي الفضائي التابع لناسا، وبيانات راديوية، وقياسات بالأشعة السينية.
هذا النهج متعدد الأطوال الموجية هو ما يجعل النتيجة ادعاءً أقوى. فكل نطاق يقدم جزءًا مختلفًا من صورة البيئة المحيطة بالمصدر. تُظهر أشعة غاما أين تتجلى الطاقة الشديدة. وتساعد أرصاد الراديو والأشعة السينية الباحثين على تقييم ما إذا كانت هناك مجموعة من الإلكترونات يمكن أن تفسر الإشارة بصورة معقولة. وإذا ضعف التفسير القائم على الإلكترونات بينما ظل تفسير تصادم البروتونات متسقًا، ترتفع الثقة بأن المصدر يسرّع البروتونات فعلًا إلى طاقات البيتا-إلكترون-فولت.
عمليًا، يبدو أن الباحثين استخدموا البيانات المجمعة للتمييز بين سرديتين متنافستين. الأولى سيناريو ليبتوني، تكون فيه الإلكترونات هي المسيطرة على إنتاج أشعة غاما المرصودة. والثانية سيناريو هادروني، تُسرَّع فيه البروتونات ثم تتفاعل مع المادة المحيطة، فتنتج أشعة غاما كنتيجة لذلك. وتشير التغطية إلى أن الأدلة مالت بقوة كافية لصالح تفسير البروتونات بحيث وُصف المصدر بأنه بيفاترون بروتوني مؤكد.
لماذا تتجاوز هذه النتيجة الجسم نفسه
تتجاوز أهمية هذه الصفة المصدر نفسه. فلطالما اشتبه علماء الفيزياء الفلكية في أن درب التبانة تحتوي على مسرعات بروتونية طبيعية قوية بما يكفي لتفسير الطرف الأعلى من طيف الأشعة الكونية في المجرة. والعثور على واحد بشكل قاطع يساعد على تثبيت هذه النظرية في مكان حقيقي بدلًا من مجرد استدلال إحصائي.
كما أنه يوضح بصورة أدق كيف تشكل البيئات العنيفة في المجرة مجال الإشعاع من حولنا. فالأشعة الكونية ليست مجرد فضول نظري. إنها جزء من البيئة الطاقية لدرب التبانة، وتؤثر في الكيمياء بين النجمية والعمليات المغناطيسية وبيئة الجسيمات التي تتحرك من خلالها النجوم والكواكب.
ويشير المقال الأصلي إلى أن بقايا المستعرات العظمى اعتُبرت منذ زمن طويل مواقع محتملة لتسريع الجسيمات، وأن أرصاد الأشعة السينية السابقة لبقايا مثل مستعر تايكو قدمت دليلًا على أن موجات الصدمة يمكنها تسريع الجسيمات إلى طاقات عالية. لكن ظل هناك فرق بين إثبات أن فئة من الأجسام يمكنها تسريع الجسيمات، وإثبات أن مصدرًا محددًا ينتج أكثر بروتونات المجرة تطرفًا. ويبدو أن LHAASO J1912+1014u يضيق هذه الفجوة.
وهذا يجعل النتيجة قيمة بوصفها اكتشافًا وعرضًا منهجيًا في آن واحد. فالاكتشاف يشير إلى أن الجمع بين أرصاد أشعة غاما والراديو والأشعة السينية يمكنه أن يحسم مصادر كانت ستظل غامضة لولا ذلك. وفي مجال طُرحت فيه العديد من المرشحين البيفاترونيين، يعد هذا دليلًا مفيدًا للعمل المستقبلي.
خريطة أوضح لدرب التبانة عالية الطاقة
درب التبانة مليئة بالبقايا والنباضات وجبهات الصدمة والسحب عالية الطاقة، لكن جزءًا صغيرًا فقط منها يُحتمل أن يكون قادرًا على الوصول إلى مقاييس البيتا-إلكترون-فولت. إن تأكيد مصدر واحد فقط يمنح علماء الفلك نموذجًا أفضل لما ينبغي البحث عنه لاحقًا. وقد يساعدهم ذلك على تحديد مناطق أخرى يهيمن فيها تسريع البروتونات، وربما تحسين النماذج الخاصة بكيفية هروب الجسيمات من تلك المناطق وانتشارها عبر المجرة.
هناك أيضًا مكسب مفاهيمي. فالفيزياء الجسيمية البشرية تتقدم غالبًا ببناء آلات أكبر وأكثر دقة. أما الفيزياء الفلكية فلديها فرصة معاكسة: فالطبيعة بنت بالفعل آلات أقوى بكثير من آلاتنا، والتحدي هو فهم كيفية عملها من مسافة بعيدة. والبيفاترون البروتوني المؤكد هو أحد أوضح أمثلة هذا الديناميكية. إنه مختبر لا يمكننا زيارته، لكنه يترك بصمات قابلة للرصد في السماء.
وفي الوقت الراهن، يبرز LHAASO J1912+1014u لأنه يحول قصة محتملة إلى قصة موثقة. فالجسم القريب من الطائر لم يعد مجرد لغز لامع لأشعة غاما أو خيط واعد في البحث عن المسرعات الكونية. وبناءً على الأدلة الموجزة في التقرير، أصبح الآن أحد أقوى الأمثلة المحددة لمصدر في درب التبانة قادر على إطلاق البروتونات إلى أعلى الطاقات، مع ربط مقنع بمسرع مجري محدد.
هذا لا ينهي لغز الأشعة الكونية بالكامل، لكنه يمثل خطوة كبيرة نحو الإجابة عن سؤال ظل قائمًا لسنوات: أين، تحديدًا، تصنع درب التبانة بعضًا من أكثر جسيماتها تطرفًا؟ يبدو أن لدى علماء الفلك الآن إجابة واضحة واحدة.
يعتمد هذا المقال على تغطية Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com
