قد يكون غلاف عطارد المغناطيسي الضعيف أكثر نشاطًا مما توقعه العلماء
عطارد هو أصغر كواكب النظام الشمسي وأقربها إلى الشمس، ما يجعله مكانًا غير مرجح لوجود درع مغناطيسي طويل الأمد. فمجاله المغناطيسي لا يتجاوز نحو 1% من قوة المجال المغناطيسي للأرض، وعلى مدى عقود دعمت هذه الضعفَ فرضيةً أساسية مفادها أن عطارد ربما لا يستطيع حبس ما يكفي من الجسيمات المشحونة لتشكيل أحزمة إشعاعية يمكن، من حيث المبدأ، مقارنتها بأحزمة فان آلن الخاصة بالأرض.
وتقول دراسة جديدة أبرزها باحثون حللوا بيانات مهمة MESSENGER التابعة لناسا إن هذه الفرضية تحتاج إلى مراجعة. فباستخدام رصودات المركبة الفضائية، وطرائق تحليل محدثة، ونمذجة حاسوبية، وجد الفريق أدلة على أن عطارد يمكنه أحيانًا التقاط جسيمات الرياح الشمسية وتشكيل أحزمة إشعاعية قصيرة العمر خلال أجزاء من مداره. هذه الأحزمة ليست دائمة، وهي أقل استقرارًا بكثير من أحزمة الأرض. ومع ذلك، فإن وجودها الظاهر لا يزال يمثل تحولًا مهمًا في كيفية فهم العلماء لبيئة الفضاء في أقرب الكواكب إلى الشمس.
وتكتسب النتيجة أهميتها لأن عطارد كثيرًا ما عُومل كحالة حدّية في المغناطيسية الكوكبية. لديه مجال مغناطيسي عالمي، لكنه ضعيف. وهو يقع في بيئة شمسية شديدة، حيث يكون تدفق جسيمات الشمس وتأثيرها المغناطيسي أقوى بكثير مما هو عليه عند الأرض. وهذا المزيج يطرح سؤالًا صعبًا: هل يكتفي مجال عطارد بصد الجسيمات وتوجيهها لبرهات قصيرة، أم أنه قادر فعليًا على حبسها بطريقة منظمة؟ ووفقًا للعمل الجديد، يبدو أن الجواب نعم، على الأقل بشكل متقطع.
كيف تناول الباحثون جدلًا عمره عقود
هذا السؤال ليس جديدًا. فقد ساعدت الرصودات التي تعود إلى مركبة Mariner 10 في عام 1974 على إثبات أن عطارد يمتلك بالفعل مجالًا مغناطيسيًا، وهو اكتشاف فاجأ العلماء بسبب صغر حجم الكوكب وتطوره الداخلي غير المعتاد. لكن فكرة أن عطارد قد يؤوي أحزمة إشعاعية ظلت مثار جدل. ولم تحسم بيانات المركبات اللاحقة المسألة بوضوح، كما أن التفاعل المتغير باستمرار بين الكوكب والرياح الشمسية جعل التفسير صعبًا.
في هذه الدراسة الجديدة، جمع الباحثون بين قياسات أرشيفية من MESSENGER وتقنيات تحليل أحدث ومحاكاة صُممت لاختبار ما إذا كان غلاف عطارد المغناطيسي قادرًا على حبس الجسيمات المشحونة في ظروف واقعية. وبدلًا من افتراض نظام ثابت شبيه بالأرض، نمذج الفريق سيناريو أكثر ديناميكية يعتمد فيه الحبس على موقع عطارد في مداره شديد الاستطالة وعلى كيفية تغير ظروف الرياح الشمسية مع الزمن.
وتبين أن هذا التفصيل المداري مهم. فالمسافة بين عطارد والشمس تتغير بدرجة كبيرة خلال سنته، ما يعرضه لظروف مختلفة من المجال والجسيمات. ووجد التحليل أن أحزمة الإشعاع تظهر على الأرجح عندما يكون عطارد قريبًا من الأوج، أي أبعد نقطة له عن الشمس، وأقل ظهورًا بالقرب من الحضيض عندما يكون أقرب إليها.
ووفقًا للنتائج الموجزة في التقرير الأصلي، يوجد الحزام الإشعاعي نحو نصف الوقت بالقرب من الأوج، ونحو 20% من الوقت بالقرب من الحضيض. ويبدو أن كل حدث يستمر في حدود 8 إلى 12 ساعة. وهذا نظام مختلف تمامًا عن الأرض، حيث تعد أحزمة الإشعاع سمات دائمة، حتى وإن كانت شدتها تتقلب مع طقس الفضاء.
لماذا تُعد أحزمة الإشعاع على عطارد مفاجئة
على الأرض، تتشكل أحزمة الإشعاع عندما يحبس المجال المغناطيسي للكوكب الجسيمات المشحونة ويمسك بها في مناطق على شكل حلقة حول الكوكب. وتؤدي هذه الأحزمة دورًا مزدوجًا. فهي جزء من نظام الحماية الذي يساعد على حماية الأرض من الإشعاع الفضائي الضار، لكنها قد تخلق أيضًا مخاطر على الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية التي تمر عبرها.
ولم يكن عطارد يومًا مرشحًا واضحًا لظاهرة مماثلة. فمجاله المغناطيسي ضعيف، وغلافه المغناطيسي مضغوط بفعل قربه من الشمس، كما أن النظام بأكمله يتعرض لطقس فضائي شديد ومتغير بسرعة. وبعبارة بسيطة، يبدو عطارد صغيرًا جدًا ومضروبًا كثيرًا بالبيئة الشمسية بحيث لا يستطيع الحفاظ على حبس منظم للجسيمات لفترة طويلة.
وهذا ما يجعل الاستنتاج الجديد لافتًا. فبدلًا من إظهار أن عطارد يتصرف كأرض أصغر، تشير الدراسة إلى شيء أكثر دقة: يمكن للكوكب أن يولد أحزمة إشعاعية مؤقتة في الظروف المناسبة، حتى لو كانت هذه الأحزمة غير مستقرة وقصيرة العمر. ومن هذا المنظور، ليس عطارد استثناءً عن الفيزياء الأوسع للكواكب الممغنطة، بل حالة اختبار قصوى.
وتدعم النتيجة أيضًا صورة أكثر ديناميكية للنظام الشمسي الداخلي. فالمجالات المغناطيسية الكوكبية ليست دروعًا ساكنة ذات سلوك ثابت. إذ يعتمد تفاعلها مع الرياح الشمسية على قوة المجال، وحجم الكوكب، والهندسة المدارية، وتغير خرج الشمس. ويضغط عطارد هذه المتغيرات في بيئة قاسية على نحو خاص، ما يجعله مختبرًا طبيعيًا مهمًا لفهم الأغلفة المغناطيسية تحت الضغط.
ماذا يعني ذلك للبعثات المستقبلية وعلوم الكواكب
تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من كوكب واحد. فإذا كان عطارد قادرًا على تكوين أحزمة إشعاعية بشكل متقطع رغم ضعفه المغناطيسي، فقد يحتاج العلماء إلى تنقيح الطريقة التي يفكرون بها في حبس الجسيمات حول أجسام أخرى ذات أغلفة مغناطيسية هامشية أو غير معتادة. وقد يؤثر هذا الاكتشاف أيضًا في كيفية تفسير الباحثين للقياسات السابقة وتصميمهم للرصدات المستقبلية.
ولا يزال عطارد غير مستكشف نسبيًا. فقد زارتْه أعداد قليلة فقط من المركبات الفضائية، ويأتي جزء كبير مما نعرفه عنه من نوافذ مهمة محدودة. وهذا يجعل كل تحسين في تحليل البيانات أكثر قيمة، خاصة حين يكشف بنية ربما فاتت التفسيرات الأقدم.
ولمخططي البعثات، فإن الأحزمة الإشعاعية قصيرة العمر ليست مجرد فضول نظري. فأي تركيز موضعي أو دوري للجسيمات عالية الطاقة قد يهم في تشغيل المركبة، ومعايرة الأجهزة، وتقييم المخاطر. وحتى إذا كانت أحزمة عطارد عابرة، فإن فهم متى تظهر ومدى شدتها يمكن أن يساعد في تشكيل استراتيجيات الرصد للبعثات المستقبلية التي تدرس الكوكب عن قرب.
وبصورة أوسع، تعزز الدراسة درسًا متكررًا في علوم الكواكب: العوالم التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى غالبًا ما يتبين أنها معقدة فيزيائيًا. كان من السهل ذات يوم تلخيص عطارد على أنه صخرة محترقة بلا غلاف جوي وهادئة جيولوجيًا تدور قرب الشمس. لكن مع مرور الوقت، وجد الباحثون كوكبًا ذا مجال مغناطيسي عالمي، ومناطق قطبية غنية بالمواد المتطايرة، وكيمياء سطحية غير مألوفة، والآن أدلة أقوى على حبس متقطع للجسيمات في الفضاء القريب من الكوكب.
وهذا لا يجعل عطارد شبيهًا بالأرض. بل على العكس، يجعله أكثر تميزًا. إذ يبدو أن بيئة الإشعاع لديه تحكمها دفعات قصيرة، واعتماد مداري، وتغيرات سريعة تُعد شديدة بمعايير أرضية. لكن هذا بالضبط ما يجعل النتيجة مهمة. فهي توسع النطاق المعروف لكيفية سلوك الأنظمة المغناطيسية الكوكبية.
والخطوة التالية ستكون مزيدًا من التأكيد، ويفضل أن يتم ذلك عبر رصودات مباشرة إضافية ونمذجة مستمرة. وحتى الآن، يشير التحليل الجديد إلى أن المجال المغناطيسي لعطارد، رغم ضعفه، قد يكون قادرًا على تنظيم جسيمات الرياح الشمسية في أحزمة إشعاعية قصيرة لكنها ذات معنى. وفي أقرب الكواكب إلى الشمس، قد يكون حتى النظام المغناطيسي الهش كافيًا لإنتاج ظواهر كان يُعتقد سابقًا أنها مستحيلة هناك.
هذه المقالة مستندة إلى تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com


