لغز قديم في النظام الشمسي يلقى تفسيرًا جديدًا
المشتري وزحل كلاهما كوكبان عملاقان يملكان أنظمة أقمار واسعة، لكن أكبر أقمارهما موزعة على نحو مختلف جدًا. فالمشتري لديه أربعة أقمار رئيسية هي آيو وأوروبا وغيميد وتيليستو، بينما يهيمن على نظام زحل قمر واحد ضخم هو تيتان. وقد ظل هذا التباين صعب التفسير طويلًا لأن الكوكبين عملاقان غازيان، ويُعتقد عمومًا أن لهما تاريخين متشابهين على نطاق واسع في التكوّن.
وتقدم دراسة جديدة أبرزها باحثون من اليابان والصين نموذجًا متسقًا فيزيائيًا لهذا الاختلاف. وتخلص الدراسة إلى أن التراكم المغناطيسي، وبالتحديد تشكّل تجويف مغناطيسي في قرص التراكم لدى عملاق غازي فتي، يمكن أن يفسر لماذا انتهى الأمر بالمشتري إلى امتلاك عدة أقمار كبيرة بينما لم يحدث ذلك مع زحل.
المسألة ليست عدد الأقمار الكلي
السؤال ليس ما إذا كان زحل أو المشتري يملك أقمارًا أكثر إجمالًا. فالعدد الحالي المذكور في التقرير يقول إن للمشتري أكثر من 100 قمر، بينما لزحل أكثر من 280 قمرًا معروفًا. لكن النقطة اللافتة هي أن نظام المشتري يضم أربعة أقمار كبيرة، من بينها غيميد، أكبر قمر في النظام الشمسي، في حين يهيمن على زحل تيتان، ثاني أكبر قمر في النظام الشمسي.
وهذا التباين مهم لأنه يشير إلى أن شيئًا ما في البيئات المبكرة المحيطة بالكوكبين كان مختلفًا بشكل ملحوظ. وإذا كانت العناصر العامة لتكوّن العمالقة الغازية متشابهة، فقد يكون هناك عامل داخل القرص المحيط بالكوكب قد دفع النظامين إلى نهايتين مختلفتين جدًا.
الحقول المغناطيسية تقترب من مركز نظريات تكوّن الأقمار
يقول الفريق إن العلماء أعادوا خلال السنوات الأخيرة التفكير في نماذج تشكّل الأقمار بسبب الدور الذي تؤديه الحقول المغناطيسية. في هذا الإطار، يمكن للمجال المغناطيسي للكوكب أن يؤثر في كيفية سقوط المادة المحيطة إلى الداخل وكيف تتشكل البنى في القرص حول الكوكب الفتي.
ولاختبار هذه الفكرة، أجرى الباحثون محاكاة عددية للبنى الداخلية للعمالقة الغازية الفتية، كما نمذجوا الأقراص المحيطة بالكوكب حول كل من المشتري وزحل. وكان هدفهم فحص كيف ربما تغيرت الخصائص الحرارية والمجالات المغناطيسية للكوكبين مع الزمن، وكيف يمكن لتلك الفروق أن تشكل تكوّن الأقمار.
وأفضت النتيجة إلى نموذج يشير إلى أن تشكّل تجويف مغناطيسي في قرص التراكم لدى عملاق غازي فتي هو آلية أساسية. وبعبارة بسيطة، يغير هذا التجويف الأماكن التي يمكن للمادة أن تتجمع فيها وكيفية هجرة الأقمار أو بقائها أثناء تطور القرص.
لماذا ربما تباعد مسارا المشتري وزحل
بحسب الدراسة، قد لا تكون السجلات المغناطيسية والحرارية للمشتري وزحل قابلة للتبادل، حتى لو تكوّن الكوكبان كعمالقة غازية بطرق مترابطة. فإذا طور المشتري ظروف قرص سمحت ببقاء عدة أقمار كبيرة أو بتشكّلها بصورة منظمة، بينما ركزت بيئة زحل النتائج بطريقة مختلفة، فقد يفسر ذلك لماذا احتفظ المشتري بالأقمار الغاليلية كنظام مكوّن من أربعة أقمار كبيرة.
أما نتيجة زحل فتبدو أكثر تركيزًا بكثير. فتيتان يبرز بوصفه القمر الكبير المهيمن في النظام. ويقترح النموذج الجديد أن هذا لم يكن مجرد نتيجة عشوائية للاصطدامات اللاحقة أو للمصادفة، بل قد يعكس بنية القرص المحيط بالكوكب نفسه خلال شباب الكوكبين.
وهذا تحول مهم لأنه يتعامل مع أنظمة الأقمار باعتبارها نتاج فيزياء القرص المرتبطة بالمغناطيسية الكوكبية، لا مجرد بقايا مصغرة من تشكّل الكواكب. وإذا كان ذلك صحيحًا، فإنه يمنح الفلكيين طريقة أكثر توحيدًا للتفكير في سبب كون أنظمة الأقمار المتجاورة متقاربة في الأصل لكنها مختلفة جذريًا.
نتيجة محلية ذات صلة أوسع
قال الباحث الرئيسي يوري آي فوجيي إن اختبار نظرية تكوّن الكواكب صعب لأن لدى الفلكيين نظامًا شمسيًا واحدًا فقط للرجوع إليه عن قرب، لكن يمكنهم مع ذلك مقارنة عدة أنظمة أقمار قريبة ذات خصائص قابلة للرصد. وهذا يجعل المشتري وزحل مختبرين ذوي قيمة خاصة.
وتتجاوز أهمية هذا العمل تفسير إحدى غرائب النظام الشمسي. فإذا كان التراكم المغناطيسي والتجاويف المغناطيسية يؤديان دورًا كبيرًا في كيفية تكوّن الأقمار الكبيرة، فقد تساعد الأفكار المشابهة الباحثين على تفسير أنظمة الأقمار حول الكواكب الخارجية العملاقة مع تحسن القدرات الرصدية.
وحتى عندما لا يتمكن الفلكيون من مشاهدة تشكّل الأقمار مباشرة في أماكن أخرى، فإن النماذج المرتكزة على فيزياء الأقراص والبنى الداخلية والحقول المغناطيسية يمكنها تضييق نطاق التاريخات الممكنة. وعندها يصبح المشتري وزحل بمثابة حالات اختبار لفهم الظروف التي تنتج عدة أقمار كبيرة، والظروف التي تفضّل قمرًا مهيمنًا واحدًا، وكم من هذه النتيجة يكون قد كُتب مبكرًا.
ما الذي يغيره النموذج الجديد
لا تضيف الدراسة مجرد عامل تخميني آخر إلى مشكلة معقدة أصلًا. إنها تحاول ربط عدة أجزاء معًا في وقت واحد: التطور الداخلي للعمالقة الغازية الفتية، وسلوك أقراصها المحيطة بالكوكب، ودور الحقول المغناطيسية في تحديد مسار المادة. وبهذا تقدم آلية، لا مجرد وصف للاختلاف بين النظامين.
وهذا مهم لأن الأقمار الغاليلية وتيتان ليست تفاصيل صغيرة في النظام الشمسي. إنها عوالم كبيرة بحد ذاتها، ووجودها يعكس العمليات التي عملت حول أكبر الكواكب عندما كان النظام الشمسي لا يزال يتشكل.
ويقترح العمل الجديد أن جواب سؤال لماذا يملك المشتري أقمارًا كبيرة أكثر من زحل قد لا يكمن في حدث درامي واحد، بل في البنية غير المرئية للبيئة المحيطة بكل كوكب فتي. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تكون بنية أنظمة الأقمار أكثر حساسية للظروف المغناطيسية مما افترضته النماذج القديمة.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com




