نظير مشع يتحول إلى خريطة لمحيط النظام الشمسي
يستخدم العلماء الذين يدرسون الجليد في القارة القطبية الجنوبية علامة غير معتادة لإعادة بناء الرحلة الحديثة للنظام الشمسي عبر الفضاء: الحديد-60، وهو نظير مشع ينتج في انفجارات المستعرات العظمى. وتقول ورقة بحثية جديدة أبرزها Universe Today إن هذا النظير قد يحفظ بنية السحابة بين النجمية المحلية، وهي المنطقة المنتشرة من الغاز والغبار التي يعبرها النظام الشمسي حالياً.
يُعد الحديد-60 متتبّعاً قوياً لأنه لا يملك مصدراً أرضياً عادياً، ولأن نصف عمره يقارب 2.6 مليون سنة. وعندما يظهر في جليد القارة القطبية الجنوبية أو في القشور العميقة في قاع البحر، يمكن للباحثين أن يكونوا واثقين من أنه وصل من خارج الأرض. وهذا يجعله صلة مادية نادرة بين جيولوجيا الكواكب وتاريخ الانفجارات النجمية القريبة.
يعتمد البحث الجديد، المنشور في Physical Review Letters، على محطة سابقة مهمة من عام 2019، عندما أبلغ الباحثون عن أول رصد للحديد-60 في القارة القطبية الجنوبية. في ذلك الوقت، خلص الفريق إلى أنه بعد استبعاد التفسيرات الأرضية مثل الترسيب العالمي، فإن فائض الحديد-60 كان على الأرجح ذا أصل بين نجمي. ويمضي البحث الجديد أبعد من ذلك بسؤاله عمّا إذا كان توزيع النظير يكشف أين جرى تخزين تلك المادة قبل أن تجمعها الأرض.
السحابة بين النجمية المحلية كأرشيف كوني
الفكرة الأبرز هي أن السحابة بين النجمية المحلية، أو LIC، تعمل كخزان طويل الأمد. يتحرك النظام الشمسي عبر هذه السحابة أثناء دورانه حول مجرة درب التبانة، وإذا كانت السحابة تحتوي على الحديد-60 من مستعرات عظمى سابقة، فقد تلتقط الأرض هذه المادة ببطء مع مرور الوقت. ويصف الباحثون LIC بأنها إحدى عدة سحابات دافئة صغيرة ضمن مجمع السحب بين النجمية المحلية في الجوار الشمسي.
أصل تلك السحابات الصغيرة لم يُحسم بعد، لكن صدمات المستعرات العظمى تُعد احتمالاً بارزاً. وإذا كانت المستعرات العظمى قد ساعدت في تكوينها أو شكّلتها بشكل كبير، فقد تحتفظ LIC بسجل لأحداث نجمية انفجارية في البيئة المجرية المحلية. وعليه، فإن الحديد-60 المطمور في جليد القارة القطبية الجنوبية قد يكون أكثر من مجرد دليل على انفجارات قديمة. فقد يعكس بنية المادة بين النجمية التي يتحرك النظام الشمسي عبرها الآن.
هذا هو القفز المفاهيمي وراء العمل الجديد. فبدلاً من التعامل مع الحديد-60 على أنه مجرد ناتج متساقط من أحداث كونية بعيدة، يقرؤه الباحثون بوصفه بصمة بيئية. وبعبارة أخرى، هم يتساءلون عما إذا كان جليد الأرض قد خزن بصمة للمادة المجرية المحيطة بنا.
لماذا تُعد القارة القطبية الجنوبية مهمة
يوفّر جليد القارة القطبية الجنوبية أرشيفاً جذاباً لأنه قادر على حفظ الإشارات الخارجية الضعيفة مع تلوث منخفض نسبياً. وقد أظهر رصد 2019 بالفعل أن النظير يمكن قياسه هناك. ويستخدم العمل الأحدث هذه القاعدة ليجادل بأن نمط ترسيب الحديد-60 قد يشفّر معلومات عن البنية الداخلية للسحابة بين النجمية المحلية.
إذا صح هذا التفسير، فستكون النتيجة غنية على نحو غير معتاد. فلن تكون الأرض تسجل مستعراً أعظمياً قديماً فحسب، بل ستأخذ عينات من تركيب وشكل بيئة بين نجمية قريبة بينما يعبرها النظام الشمسي. وهذا يربط الأرشيفات الكوكبية مباشرة بالديناميكيات المجرية، ويمنح الباحثين طريقة جديدة لدراسة التاريخ الفيزيائي الفلكي المحلي دون مغادرة الأرض.
تعتمد الفكرة الأساسية على الزمن والاستمرارية. ولأن الحديد-60 يتحلل على مدى ملايين السنين لكنه لا يبقى إلى الأبد، فإن أي مادة تُكتشف اليوم لا بد أن تكون مرتبطة بعمليات فيزيائية فلكية حديثة نسبياً على المقاييس الجيولوجية. ولأنه لا يتولد طبيعياً على الأرض، فلا بد من تفسير وجوده بوصوله من الفضاء. وهذا المزيج يجعله واحداً من أنظف القرائن النظيرية المتاحة لهذا النوع من العمل.
طريقة جديدة لدراسة جوارنا المجرّي
تكمن جاذبية البحث الأوسع في أنه يحول الأرشيفات الأرضية المألوفة إلى أدوات لعلم الفضاء. فعينات الجليد وقشور قاع البحر ترتبط عادة بتاريخ المناخ أو كيمياء المحيطات. أما هنا، فهي تتحول إلى كواشف لحركة النظام الشمسي عبر تبعات الانفجارات النجمية.
لا يحسم البحث الحالي كل الأسئلة. ويشير النص الأصلي إلى أن أصل السحابات المحلية الصغيرة لا يزال غير مؤكد، وأن الفكرة السابقة للباحثين حول احتواء LIC على الحديد-60 لم يكن بالإمكان إثباتها آنذاك. وما يقدمه العمل الجديد هو إطار أقوى لاختبار تلك الفرضية. فإذا تطابق نمط النظير في الجليد القطبي الجنوبي مع التوزيع المتوقع من عبور النظام الشمسي عبر LIC، تصبح السحابة وسط تخزين معقولاً بدلاً من كونها خلفية افتراضية.
هذه الإمكانية مهمة لأن النظام الشمسي لا يتحرك في فضاء فارغ. بل يمر عبر مناطق منظمة تشكلت بفعل أحداث فيزيائية فلكية سابقة. وفهم هذه المناطق يمكن أن يساعد العلماء على إعادة بناء التاريخ الحديث للجوار الشمسي والمستعرات العظمى التي ربما أثرت فيه.
عملياً، يشير الاكتشاف إلى مستقبل تساعد فيه القياسات الأرضية على رسم البيئة المحلية لمجرة درب التبانة بتفاصيل أدق. الحديد-60 ليس سوى نظير واحد، لكنه قد يكون كافياً لإظهار أن مسار النظام الشمسي ترك أثراً قابلاً للقياس في السجل المتجمد للأرض نفسها.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن جليد القارة القطبية الجنوبية لا يحفظ تاريخ المناخ فحسب، بل يحفظ أيضاً خريطة لمواضع مرورنا في الفضاء.
هذه المقالة مبنية على تغطية من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com


