خريطة تاريخية تقف خلفها مسألة كونية أكبر
أكمل أداة القياس الطيفي للطاقة المظلمة، أو DESI، المسح الذي استغرق خمس سنوات وشكّل المهمة الأساسية له، مقدماً أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد وأكثرها تفصيلاً للكون جُمعت حتى الآن. وقد فهرس المشروع عدداً أكبر بكثير من الأجسام مما كان مخططاً له في الأصل، وتم تمديده الآن حتى عام 2028، لكن الخريطة نفسها ليست سوى جزء من القصة. وقد يكون الأثر الأهم هو ما لا تزال البيانات تشير إليه بشأن الطاقة المظلمة.
يعمل DESI من كيت بيك في أريزونا باستخدام نحو 5,000 موضع روبوتي للألياف الضوئية تلتقط الضوء من الأجسام البعيدة. وعلى مدى المسح، رسمت الأداة خريطة لـ 47 مليون مجرة وكوازار، إلى جانب 20 مليون نجم في درب التبانة. وكان المخطط الأصلي أن يُرسم أكثر من 34 مليون مجرة خلال خمس سنوات. وبحلول انتهاء ملاحظات المهمة الرئيسية في 14 أبريل، كان المشروع قد تجاوز هذا الهدف بفارق كبير.
لماذا تهم هذه الخريطة
الخرائط ثلاثية الأبعاد للكون ليست مجرد إنجازات بصرية. فهي تتيح للباحثين قياس كيفية توزّع المادة عبر المكان والزمان، وهو ما يساعد بدوره على إعادة بناء تاريخ تمدد الكون. ويمنح حجم DESI علماء الكونيات مجموعة بيانات أكثر تفصيلاً بكثير لاختبار كيفية تطور الكون وكيف تغيّر ذلك التمدد.
كما أن نجاح المشروع مهم على المستوى التشغيلي. ووفقاً لمدير DESI مايكل ليفي، فقد أدى الجهاز أداءً أفضل من المتوقع، وتقدم المسح بسرعة استثنائية بالنظر إلى حجم المهمة. إن إنجاز خريطة بهذه السعة يُعد بحد ذاته إنجازاً تقنياً، لكن قيمته العلمية تعتمد على ما يستطيع الباحثون استخلاصه من الأنماط المضمّنة في ذلك التوزيع.
اللغز المركزي: هل تتغير الطاقة المظلمة؟
الطاقة المظلمة هو الاسم الذي يُطلق على المكوّن غير المعروف الذي يُعتقد أنه يقود التمدد المتسارع للكون. وغالباً ما تُعامل بوصفها ثابتاً كونياً، أي شيئاً لا يتغير مع الزمن. وقد شكّل هذا الافتراض جزءاً كبيراً من علم الكونيات الحديث.
وقد قدّمت النتائج المبكرة لـ DESI من أول ثلاث سنوات تحدياً لهذه الصورة، عبر الإيحاء بأن الطاقة المظلمة قد تتطور مع تقدّم عمر الكون. ومن المتوقع أن تُنقّح مجموعة البيانات المكتملة لخمس سنوات هذا السؤال. وإذا أكدت مجموعة البيانات الأكبر النمط السابق، فستكون التداعيات كبيرة.
إن تأكيد الابتعاد عن نموذج الطاقة المظلمة الثابتة سيجبر العلماء على إعادة النظر في بعض أكثر الافتراضات الأساسية في علم الكونيات. كما سيؤثر في كيفية نمذجة السلوك طويل الأمد للكون، وقد يعيد تشكيل النقاشات حول الحالات النهائية المحتملة مثل التمزق العظيم، أو التجمّد العظيم، أو الارتداد العظيم، أو شيء لم تصفه النظرية القائمة بوضوح بعد.
لماذا يولي علماء الكونيات اهتماماً خاصاً
تتجلى أهمية هذا الاحتمال في رد الفعل داخل التعاون العلمي. وصف غريغوري تارلي، وهو عضو مؤسس في DESI وأستاذ في جامعة ميشيغان، النتيجة الناشئة بأنها اكتشاف مذهل أجبر العلماء على إعادة التفكير فيما كانوا يفهمونه عن الطاقة المظلمة.
مثل هذا التصريح لا يعني أن المسألة حُسمت. فالنص الأصلي واضح في أن العلماء ما زالوا يعملون على تحليل مجموعة البيانات الكاملة لخمس سنوات. لكنه يدل على أن الإشارة جدية بما يكفي للاستمرار في جذب الانتباه بعد التلميحات السابقة، بدلاً من أن تتلاشى بوصفها أثراً إحصائياً.
انتهت المهمة، لكن المسح مستمر
أحد أبرز تفاصيل هذا الإنجاز هو أن DESI لن يتوقف بعد إتمام مهمته الأصلية. فقد تم بالفعل تمديد مهمته الرئيسية حتى عام 2028. وهذا يعني أن الخريطة الصادرة عن السنوات الخمس الأولى تمثل في الوقت نفسه تتويجاً وأساساً لمزيد من الملاحظات.
ويظل جمع البيانات المستمر مهماً لأن أسئلة الطاقة المظلمة ذات طبيعة إحصائية ومقارنة في جوهرها. فالعينات الأكبر تحسن مستوى الثقة، وتقلل عدم اليقين، وقد تكشف ما إذا كانت الانحرافات الظاهرة عن الافتراضات القياسية راسخة عبر الزمن وبين فئات الأجسام المختلفة.
منتج بيانات بعواقب فلسفية
يتميز علم الكونيات بأن فهرساً أفضل يمكن أن يغيّر قصة الكون على أعلى مستوى. فخريطة DESI الجديدة ليست مجرد قاعدة بيانات أكبر للمجرات. إنها أداة لاختبار ما إذا كان أحد الأعمدة التفسيرية المركزية في هذا المجال غير مكتمل.
إذا اتضح أن الطاقة المظلمة ديناميكية، فستمتد العواقب إلى ما هو أبعد من مسح واحد أو ورقة نظرية واحدة. وسيعني ذلك أن الإطار السائد المستخدم لوصف التسارع الكوني يحتاج إلى مراجعة. وسينعكس ذلك على نماذج تشكّل البنية، وتاريخ التمدد، والمصير النهائي للكون.
حتى الآن، قدم DESI إنجازاً رصدياً لافتاً: عشرات الملايين من المجرات والكوازارات موضوعة في أوسع صورة ثلاثية الأبعاد للكون أُنجزت حتى الآن. وقد يكون العائد العلمي أكبر بكثير إذا ساعدت تلك الخريطة في إظهار أن القوة التي تشكّل التمدد الكوني ليست ثابتة في نهاية المطاف.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com



