قنوات المياه القديمة في الصخر

وصلت مختبر علوم المريخ التابع لناسا كيوريوسيتي إلى معلم بارز في استكشافها لفوهة جيل، إذ جمعت رابع عينة صخرية من التكوينات الصندوقية المميزة التي كانت أحد الأهداف العلمية الرئيسية للمهمة. هذه التلال المنخفضة التي يبلغ ارتفاعها نحو متر إلى مترين تشكلت منذ مليارات السنين عندما كانت المياه تتدفق عبر شبكة من الشقوق تحت الأرض.

تم التعرف على التكوينات الصندوقية لأول مرة من المدار بواسطة Mars Reconnaissance Orbiter عام 2006، وكان وجودها في فوهة جيل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت ناسا لاختيار الموقع لهبوط كيوريوسيتي عام 2012. والآن، بعد أكثر من 13 عاماً، وصلت المركبة أخيراً إلى هذه التكوينات في التلال السفلية لجبل شارب.

ما يمكن أن تخبرنا به الصخور

تكتسب التكوينات الصندوقية أهميتها لأنها تمثل بقايا أنظمة حرارية مائية - بيئات كانت تجري فيها مياه دافئة غنية بالمعادن عبر شقوق في الصخر. على الأرض، تعد الأنظمة الحرارية المائية من بين أكثر البيئات إنتاجاً بيولوجياً، إذ تحتضن نظماً بيئية مزدهرة من الكائنات الدقيقة التي تستمد طاقتها من التفاعلات الكيميائية. إذا وجدت ظروف مماثلة على المريخ القديم، فإن هذه التكوينات ستكون من أكثر الأماكن واعدة للبحث عن أدلة على حياة ميكروبية ماضية.

أظهرت العينات السابقة ما يصفه العلماء بالأدلة المثيرة للاهتمام التي قد تتسق مع نشاط بيولوجي قديم. غير أن المجتمع العلمي يحافظ على حذر مناسب في استخلاص النتائج. يؤكد الباحثون أن الادعاء الاستثنائي بأن المريخ كان مأهولاً يستلزم أدلة استثنائية.

تضيف العينة الرابعة نقطة بيانات أخرى إلى مجموعة متنامية من الأدلة. يستطيع المختبر المحمول على كيوريوسيتي، وهو جهاز SAM، تحليل التركيب الكيميائي لعينات الصخور بتفصيل دقيق، مع التعرف على الجزيئات العضوية والأطوار المعدنية والبصمات النظيرية.

الرحلة الطويلة إلى هذه اللحظة

تمثل رحلة كيوريوسيتي إلى التكوينات الصندوقية واحدة من أصبر الحملات العلمية في تاريخ استكشاف الفضاء. هبطت المركبة على أرضية فوهة جيل في أغسطس 2012 وظلت تسير بشكل منتظم نحو جبل شارب - وهو جبل طبقي من الصخور الرسوبية يرتفع 5.5 كيلومترات عن قاع الفوهة.

تمثل كل طبقة من جبل شارب فصلاً مختلفاً في التاريخ البيئي للمريخ، من الظروف الدافئة الرطبة التي ربما سادت منذ مليارات السنين إلى الكوكب البارد الجاف الذي نراه اليوم. بتسلق هذه الطبقات، تقرأ كيوريوسيتي كتاب التاريخ الجيولوجي فصلاً فصلاً.

إعادة العينات المريخية

تكتسب اكتشافات كيوريوسيتي في منطقة التكوينات الصندوقية أهمية إضافية في سياق حملة إعادة العينات المريخية لناسا. البحث الحاسم عن أدلة على الحياة الماضية يستلزم في نهاية المطاف إعادة عينات صخرية مريخية إلى مختبرات على الأرض.

تعمل مركبة Perseverance التابعة لناسا في فوهة Jezero على بعد نحو 3700 كيلومتر من كيوريوسيتي، وهي تجمع وتخزن عينات صخرية للعودة إلى الأرض. واجهت مهمة إعادة العينات المريخية تحديات في الميزانية، لكنها تبقى أحد أعلى الأولويات العلمية لناسا.

ما التالي

مع وجود العينة الصندوقية الرابعة، سيقضي فريق علماء كيوريوسيتي أسابيع في تحليل البيانات المعادة من أجهزة المركبة. ستقارن النتائج بالعينات السابقة وتقيم في سياق البيئة المعدنية والكيميائية الأوسع. أي حالات شاذة قد تشير إلى نشاط بيولوجي ستخضع لتدقيق مكثف قبل استخلاص أي استنتاجات.

في هذه الأثناء، تواصل المركبة تسلقها لجبل شارب مع المزيد من الأهداف العلمية في الأفق. بعد أكثر من عقد على المريخ، تطورت مهمة كيوريوسيتي إلى حملة استكشاف مفتوحة لا تزال تنتج بعضاً من أكثر البيانات قيمة علمية من كوكب آخر.