لغز دام 30 عامًا

لمدة ثلاثة عقود، حيّر الفيزيائيين تناقض مستمر في التجارب التي تتضمن النيوترينوات - الجسيمات الشبحية التي تتفاعل بالكاد مع المادة. ظهر ما يسمى بـ 'الشذوذ الغاليومي' لأول مرة في التسعينيات عندما لاحظت أجهزة كشف تستخدم الغاليوم، وهو معدن فضي ناعم، عددًا أقل من النيوترينوات باستمرار مما توقعته التنبؤات النظرية. ألمح هذا النقص إلى احتمال وجود نوع جديد من الجسيمات، ربما نيوترينو معقم، مما سيكون له آثار عميقة على فهمنا للكون. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الشذوذ قد يفسر بسبب أكثر دنيوية: أخطاء في معدلات التفاعل المحسوبة المستخدمة لمعايرة هذه التجارب.

تفسير الشذوذ الغاليومي

تعمل أجهزة كشف النيوترينوات القائمة على الغاليوم عن طريق استغلال تفاعل نووي محدد: عندما يتفاعل نيوترينو مع نواة الغاليوم-71، يمكن أن يتحول إلى جرمانيوم-71، مما يؤدي إلى انبعاث إلكترون. من خلال قياس معدل إنتاج الجرمانيوم، يمكن للعلماء استنتاج تدفق النيوترينوات. ومع ذلك، منذ التسعينيات، أبلغت تجارب مثل GALLEX وSAGE عن عجز بنسبة 10-20٪ في العدد المتوقع من النيوترينوات. نُسب هذا العجز في البداية إلى الاحتمال بوجود نيوترينوات معقمة - جسيمات افتراضية تتفاعل فقط عبر الجاذبية وليس عبر القوة النووية الضعيفة. إذا كانت النيوترينوات المعقمة موجودة، فقد تتأرجح مع النيوترينوات العادية، مما يؤدي إلى انخفاض معدل الكشف.

لكن الدراسة الجديدة، التي نشرها فريق من الفيزيائيين، تقدم تفسيرًا مختلفًا. يجادلون بأن الحسابات النظرية لمعدل التقاط النيوترينوات على الغاليوم، والتي تستند إلى نماذج فيزياء نووية، قد تكون غير دقيقة قليلاً. من خلال مراجعة هذه الحسابات، يمكن أن يختفي الشذوذ تمامًا، دون الحاجة إلى فيزياء جديدة.

إعادة النظر في الفيزياء النووية

ركز الفريق على ما يسمى بعملية 'بيث-هايتلر'، التي تصف كيفية تفاعل النيوترينوات مع النوى. على وجه الخصوص، أعادوا تقييم المقطع العرضي - احتمال تفاعل نيوترينو مع نواة الغاليوم - باستخدام بيانات أكثر دقة من التجارب النووية الحديثة. وجدوا أن قيم المقطع العرضي المستخدمة سابقًا كانت مبالغًا فيها، مما أدى إلى توقع عدد كبير جدًا من النيوترينوات. عندما صححوا هذه القيم، تطابق العدد المتوقع من النيوترينوات مع الأعداد المرصودة ضمن الشكوك التجريبية.

هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى أن الشذوذ الغاليومي قد لا يكون دليلاً على النيوترينوات المعقمة بعد كل شيء. بدلاً من ذلك، يسلط الضوء على أهمية البيانات النووية الدقيقة في تفسير تجارب النيوترينوات. استندت حسابات الفريق إلى تحليل مفصل للبنية النووية لنظائر الغاليوم والجرمانيوم، باستخدام نماذج نظرية حديثة وبيانات تجريبية من مسرعات الجسيمات.

آثار على فيزياء النيوترينوات

إذا كان التفسير الجديد صحيحًا، فسيحل تناقضًا طويل الأمد ويستبعد واحدًا من الأدلة القليلة على النيوترينوات المعقمة. النيوترينوات المعقمة مرشح شائع للمادة المظلمة ويمكن أن تفسر العديد من الحالات الشاذة في فيزياء الجسيمات، لكن وجودها لا يزال غير مؤكد. الدراسة الجديدة لا تستبعد بشكل قاطع النيوترينوات المعقمة، لكنها تزيل الشذوذ الغاليومي كدليل عليها.

ومع ذلك، ليس كل الفيزيائيين مقتنعين. يجادل البعض بأن الحسابات المنقحة قد تقدم شكوكًا جديدة، وأن الشذوذ قد لا يزال علامة على فيزياء جديدة. ويشير آخرون إلى أن تجارب أخرى، مثل MiniBooNE وLSND، أبلغت أيضًا عن حالات شاذة يمكن تفسيرها بالنيوترينوات المعقمة. ومع ذلك، توفر الدراسة الجديدة تفسيرًا بديلاً معقولاً وقابلاً للاختبار.

تجارب مستقبلية

من المرجح أن يستمر الجدل، لكن التجارب المستقبلية قد تساعد في حسمه. على سبيل المثال، تجربة BEST (تجربة باكسان للتحولات المعقمة)، التي تستخدم مصدر نيوترينو اصطناعي قوي، قدمت بالفعل بيانات يمكن إعادة تحليلها بالحسابات الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتجارب القادمة مثل JUNO وHyper-Kamiokande، المصممة لقياس خصائص النيوترينوات بدقة، أن تقدم رؤى إضافية.

تؤكد الدراسة الجديدة أيضًا على الحاجة إلى بيانات نووية أكثر دقة. مع زيادة حساسية تجارب النيوترينوات، تصبح دقة الفيزياء النووية الأساسية ذات أهمية متزايدة. يوضح هذا العمل أنه حتى العمليات التي تبدو مفهومة جيدًا قد تخفي أخطاء دقيقة يمكن أن تؤدي إلى تفسيرات خاطئة كبيرة.

الخلاصة

قد يتم أخيرًا حل لغز النيوترينوات المفقودة الذي دام 30 عامًا، ليس من خلال اكتشاف جسيم جديد، ولكن من خلال تحسين فهمنا للفيزياء المعروفة. في حين أن وجود النيوترينوات المعقمة لا يزال سؤالًا مفتوحًا، تظهر هذه الدراسة أن الاهتمام الدقيق بالتفاصيل النووية يمكن أن يحل الحالات الشاذة الظاهرة. مع تقدم المجال، سيستمر التفاعل بين الفيزياء النووية وفيزياء الجسيمات في كونه مصدرًا غنيًا للاكتشاف.

تستند هذه المقالة إلى تقارير من نيو ساينتست. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on newscientist.com