من جزيء غامض واحد إلى 260,000

في عام 2018، اكتشف العلماء الذين يدرسون سرطان الثدي شيئاً لم يتمكنوا من شرحه. جزيء RNA صغير أطلقوا عليه اسم T3p كان موجوداً في نسيج الورم لكنه غائب تماماً عن الخلايا السليمة. لم يطابق أي جين معروف. لم يتطابق مع أي فئة معترف بها من RNA غير المشفر. كان، بلغة علم الأحياء الجزيئية، يتيماً — جزيء بدون موطن في التصنيف الموجود لجينوم الإنسان. أطلق هذا الاكتشاف المحير تحقيقاً استمر ستة أعوام انتهى الآن بنتيجة ذات نطاق ملحوظ: ما يقرب من 260,000 RNA صغير محدد للسرطان سابقاً مجهول مخفي عبر 32 نوع سرطان بشري مختلف.

البحث، الذي أجراه Jeffrey Wang و Hani Goodarzi وزملاؤهم في Arc Institute، يمثل واحداً من أشمل المسوحات لـ RNA غير المشفر المحدد للسرطان التي تم إجراؤها على الإطلاق. من خلال استخلاص البيانات من The Cancer Genome Atlas — قاعدة بيانات علامية تحتوي على معلومات جينومية من آلاف الأورام — حدد الفريق مشهداً واسعاً وغير مرئي سابقاً من جزيئات RNA الصغيرة التي تظهر حصرياً في خلايا السرطان.

أكواد موجة جزيئية رقمية

ما يجعل هذه RNA غير المشفرة اليتيمة، أو oncRNA، بارزة بشكل خاص هو تخصصها. عرض كل من أنواع السرطان الـ 32 المفحوصة نمطه المميز الخاص به لتعبير oncRNA، مما يخلق ما يصفه الباحثون بأنه أكواد موجة جزيئية رقمية. تقبض هذه الأكواد على هوية السرطان على مستويات متعددة — مما يميز ليس فقط بين أنواع الأورام المختلفة مثل سرطان الثدي مقابل سرطان الرئة، بل أيضاً بين الأنواع الفرعية داخل سرطان واحد وحتى بين حالات خلوية مختلفة داخل ورم واحد.

لاختبار ما إذا كان يمكن استخدام هذه التوقيعات الجزيئية للتشخيص العملي، قام الفريق بإنشاء نماذج تصنيف التعلم الآلي المدربة على أنماط تعبير oncRNA. كانت النتائج مثيرة للإعجاب: حققت النماذج دقة 90.9 في المئة في تصنيف أنواع السرطان من عينات أنسجة الورم. عند التحقق منها مقابل مجموعة منفصلة من 938 ورماً لم ترها النماذج من قبل، ظلت الدقة قوية عند 82.1 في المئة — مستوى أداء يشير إلى إمكانات سريرية حقيقية.

القدرة على تصنيف نوع السرطان من توقيعات RNA وحدها يمكن أن تكون لها آثار عميقة للمرضى الذين يعانون من سرطانات بأصل أولي غير معروف، وهو سيناريو سريري يؤثر على تقريباً 3-5 في المئة من جميع مرضى السرطان ويحمل توقعاً سيئاً بشكل خاص لأن قرارات العلاج تعتمد بشكل كبير على معرفة مكان نشأة السرطان.

بعض oncRNAs تقود تطور السرطان

أثار اكتشاف 260,000 RNA محدد للسرطان سؤالاً واضحاً: هل هذه الجزيئات مجرد منتجات ثانوية للنشاط الجيني الفوضوي داخل خلايا السرطان، أم أن بعضها يساهم بنشاط في نمو الورم والانتشار؟ لمعرفة ذلك، أجرى الباحثون تجارب وظيفية على نطاق واسع في الفئران، واختبروا حوالي 400 oncRNA فردية للآثار البيولوجية.

أظهر حوالي 5 في المئة من الجزيئات المختبرة نشاطاً بيولوجياً قابلاً للقياس. أثارت البعض الانتقال الظهاري-الميسنشيمي، وهي عملية خلوية تمكن خلايا السرطان من التحرر من نسيجها الأصلي والهجرة إلى أجزاء بعيدة من الجسم — العملية المميتة المعروفة بالانبثاث. وأنشطت أخرى مسارات التكاثر التي تقود انقسام الخلايا غير المنضبط. تشير هذه الاستنتاجات إلى أن جزءاً على الأقل من oncRNAs ليسوا متفرجين أبرياء بل مشاركين نشطين في تطور السرطان.

فهم أي oncRNAs تقود السلوك السرطاني يمكن أن يفتح مسارات جديدة تماماً للتدخل العلاجي. إذا كانت oncRNAs محددة تعزز الانبثاث أو المقاومة للأدوية، فإن استهدافها بالعلاجات القائمة على RNA — وهو نهج أظهر بالفعل وعداً سريرياً مع oligonucleotides antisense و small interfering RNAs — يمكن أن يوفر أسلحة جديدة ضد السرطانات التي تقاوم العلاجات الموجودة.

اختبار دم للإشارات المخفية للسرطان

ربما يكون الاكتشاف الأكثر قابلية للترجمة فوراً هو أن حوالي 30 في المئة من oncRNAs تفرزها خلايا السرطان بنشاط في مجرى الدم. هذا يعني أنه يمكن احتمالياً كشفها من خلال سحب دم بسيط — خزعة سائلة — بدلاً من الحاجة إلى أخذ عينات من الأنسجة الغازية.

اختبر الباحثون هذا المفهوم باستخدام عينات دم من 192 مريض سرطان ثدي مدرجين في تجربة العلاج الكيميائي السابق للجراحة I-SPY 2، وهي دراسة سريرية رئيسية تختبر مزيجات أدوية جديدة قبل الجراحة. كانت النتائج مذهلة: المرضى الذين احتفظوا بمستويات عالية من oncRNAs المتبقية في دمهم بعد إكمال العلاج الكيميائي أظهروا بقاء عام أسوأ بحوالي أربع مرات مقارنة بأولئك الذين انخفضت مستويات oncRNA لديهم.

يضع هذا الاكتشاف نمط oncRNA كأداة محتملة لمراقبة المرض المتبقي الحد الأدنى — الأعداد الصغيرة من خلايا السرطان التي يمكن أن تبقى على قيد الحياة من العلاج وتسبب في النهاية الانتكاس. تعتمد الطرق الحالية لكشف المرض المتبقي بشكل أساسي على التصوير و circulating tumor DNA، وكلاهما له قيود كبيرة. اختبار دم يقرأ الرمز الجزيئي لخلايا السرطان المتبقية يمكن أن يوفر تحذيرات أبكر وأكثر تحديداً للانتكاس، مما يمكن الأطباء من التدخل قبل عودة المرض بقوة.

إعادة كتابة خريطة علم الأحياء الجينومية للسرطان

وجود 260,000 RNA محدد للسرطان سابقاً غير مميز يثير أسئلة أساسية حول مدى شمول خريطة العلماء للمشهد الجزيئي للسرطان. يحتوي الجينوم البشري على حوالي 20,000 جين يشفر البروتينات، وركزت عقود من أبحاث السرطان بشكل أساسي على الطفرات في هذه الجينات — الجينات المسرطنة وقامعات الأورام التي تقود الخباثة. يشير اكتشاف oncRNA إلى أن طبقة متوازية كاملة من علم أحياء السرطان كانت تعمل تحت عتبة الكشف، مخفية في المناطق غير المشفرة من الجينوم التي تم رفضها ذات مرة باعتبارها DNA قمامة.

يشكل الجينوم غير المشفر حوالي 98 في المئة من DNA البشري الكلي، وأدرك الباحثون بشكل متزايد أنه يلعب أدواراً تنظيمية حاسمة في الصحة والمرض. لكن العدد الخالص من RNA غير المشفر المحدد للسرطان المحددة في هذه الدراسة — أكثر من ربع مليون جزيء مختلف — يتجاوز ما كان سيتنبأ به معظم العلماء ويشير إلى أن المجال لم يسحق سوى سطح فهم كيفية استغلال السرطان للجينوم غير المشفر.

ما يأتي بعد ذلك

يستمر فريق Arc Institute في تميز oncRNAs الفردية لتحديد أي منها عبارة عن سائقين مقابل الركاب في تطور السرطان. كما أنهم يعملون على تطوير assays خزعة سائلة بدرجة سريرية قد تحضر مراقبة السرطان القائمة على oncRNA إلى الممارسة الروتينية. إذا أثبت النهج قوة في تجارب سريرية أكبر، فقد يغير بشكل أساسي كيفية تتبع الأورام لاستجابة العلاج والكشف عن الانتكاس — الانتقال من الطب التفاعلي الذي ينتظر عودة الأورام المرئية نحو نموذج استباقي يقرأ الهمسات الجزيئية للمرض المتبقي في الدم.

بالنسبة للمجال الأوسع لأبحاث السرطان، الرسالة واضحة: الخريطة ليست الإقليم، وإقليم علم أحياء السرطان أكثر تعقيداً مما تم تخيله سابقاً. جزيء غامض وجد في عينة سرطان ثدي منذ ثماني سنوات قد أدى إلى اكتشاف طبقة مخفية بالكامل من المرض — والآثار المترتبة عليها لا تزال تبدأ في أن تكون مفهومة.

هذا المقال يستند إلى تقارير Science Daily. اقرأ المقالة الأصلية.