الاستماع إلى ما تحت السطح

يطـرح مشروع ألماني-هولندي سؤالاً بسيطاً له آثار بيئية واسعة: ماذا يحدث عندما يستطيع الناس فعلاً سماع الحياة داخل التربة تحت أقدامهم؟ ويقول القائمون على المبادرة إن الإجابة قد تكون علاقة عاطفية أقوى بالطبيعة، ومعها استعداد أكبر لحماية البيئة.

وقد عُرض المشروع، الموصوف في النص المصدر المرفق بوصفه جزءاً من الجهد العابر للحدود “New Roots for Lasting Change”، في فعالية مفتوحة في يونيو/حزيران في الحديقة النباتية بمدينة أولدنبورغ. استمع الزوار عبر ميكروفون أرضي حساس أُدخل إلى التربة بعمق نحو 30 سنتيمتراً. وما وصل إليهم لم يكن صمتاً، بل مزيجاً من أصوات الطقطقة والنقر والصرير والطرق ونبضات غير منتظمة تصدرها كائنات تعيش تحت الأرض.

هذه التجربة الحسية هي جوهر الفكرة. ووفقاً للمصدر، يعتقد الباحثون المشاركون في تركيب “Living Soil” أن اللقاء المباشر مع النشاط البيئي الخفي يمكن أن يساعد الناس على إدراك أن التربة ليست مادة خلفية جامدة، بل موئل حي. وإذا استقرت هذه الفكرة عاطفياً لا مجردياً، فقد تغيّر طريقة تفكير الناس في الحماية.

من التعليم البيئي إلى تغيير السلوك

ترتكز فرضية المشروع على تحدٍّ أوسع في مجال الحفظ. ويقول النص المصدر إن الفريق وضع الارتباط بالطبيعة في قلب عمله لأن الناس عموماً يختبرون الطبيعة أقل، وبالتالي يكون اهتمامهم بحمايتها أضعف. ويربط ديرك ألباخ، مدير الحديقة النباتية، بين قوة الارتباط العاطفي وارتفاع احتمال اتخاذ إجراءات بيئية، مع الإشارة أيضاً إلى صلته بالرفاه.

وتكتسب هذه الصياغة أهمية لأنها تنقل النقاش إلى ما هو أبعد من حملات المعلومات وحدها. فالتواصل البيئي يفترض كثيراً أنه إذا عرف الناس حقائق أكثر فسوف يغيّرون سلوكهم. لكن هذا المشروع يسلك طريقاً مختلفاً. فهو يعامل الإدراك والشعور بوصفهما جزءاً من مشكلة الحفظ. فإذا اختبر الناس التربة على أنها حية وصاخبة ونشطة، فقد يقيّمونها بشكل مختلف عن نظرهم إليها بوصفها مجرد وسط غير مرئي للنباتات.

كما أن هذا النهج يوسّع فهم الجمهور للتنوع البيولوجي. فغالباً ما تهيمن الحيوانات الجذابة والغابات والسواحل على سرديات الحفظ، بينما نادراً ما تحظى النظم البيئية للتربة بذلك، رغم دورها الحاسم في التحلل ودورة المغذيات وصحة المناظر الطبيعية الأوسع. ومن خلال تضخيم الصوت تحت الأرض، يجعل هذا التركيب التنوع البيولوجي الخفي مسموعاً.

مشروع أوروبي عابر للحدود بأسلوب موجّه للجمهور

يعرّف المصدر المبادرة بأنها مشروع ألماني-هولندي تابع للاتحاد الأوروبي تشارك فيه جامعة أولدنبورغ وجامعة خرونينغن، وتقوده الحكومة الإقليمية لفريسلاند في هولندا. ومن بين الشركاء الآخرين Park der Gärten في باد تسفيشنان، وÖkowerk Emden، وجامعة فان هال لارينشتاين للعلوم التطبيقية في ليوواردن.

وتشير هذه الشبكة إلى أن المشروع ليس مقتصراً على معرض لمرة واحدة، بل يقع ضمن تعاون إقليمي أوسع بشأن حفظ الطبيعة والتعليم البيئي. ووفقاً للمصدر، يلاحظ ألباخ أن “New Roots” هو بالفعل مشروعه الثالث بين ألمانيا وهولندا ضمن Interreg في هذا المجال. وهذه الاستمرارية مهمة لأنها تشير إلى جهد متواصل لاختبار سبل تعزيز انخراط الجمهور مع النظم البيئية، لا مجرد عرض جديد.

كما أن استخدام صيغة التركيب الفني مهم أيضاً. فهو يخفض عتبة المشاركة. فلا يحتاج الزوار إلى تدريب علمي لتفسير رسم بياني أو فهم محاضرة، بل إلى الفضول والاستعداد للاستماع. وبهذا المعنى، يترجم المشروع التعقيد البيئي إلى لقاء مباشر.

Putting down new roots
في “Soil Listening”، ينقل ميكروفون أرضي أصواتاً من تحت الأرض تصدرها الحشرات والديدان وغيرها من كائنات التربة. الائتمان: Carl von Ossietzky Universität Oldenburg

لماذا تُعد التربة محوراً غير مألوف لكنه استراتيجي

نادراً ما تحظى التربة باهتمام عام يوازي الغابات أو الأنهار أو الحياة البرية، ومع ذلك فهي أساسها جميعاً. ولا يقدم النص المصدر هذا التركيب بوصفه نظاماً تقنياً لمراقبة التربة أو أداة جديدة للمسح البيولوجي. تكمن قيمته في التواصل. ومع ذلك، فإن اختيار التربة كوسيط خطوة استراتيجية لأنه يعالج نقطة عمياء في الطريقة التي يتخيل بها كثير من الناس الطبيعة.

ويظهر ذلك بوضوح لدى سكان المدن على وجه الخصوص، إذ يسهل إغفال التربة. فهي تُداس وتُنسق وتُزرع أو يُبنى فوقها، لكنها نادراً ما تُدرَك بوصفها موئلاً ديناميكياً. يطعن ميكروفون يكشف الحركة والصوت تحت الأرض في هذا الافتراض. فهو يعيد تعريف الأرض لا كمنظر ثابت، بل كمنظومة دعم حياة نشطة.

وقد يصبح هذا النوع من إعادة التعريف أكثر فائدة مع سعي أوروبا ومناطق أخرى إلى تحسين حماية التنوع البيولوجي واستعادة النظم البيئية. وغالباً ما يعتمد الدعم العام على ما إذا كانت الأنظمة البيئية تبدو ملموسة. والتربة صعبة الرؤية وصعبة السرد. ويقدّم الصوت طريقة لتجاوز هذه المشكلة.

ما الذي يدّعيه المشروع وما الذي لا يدّعيه

تدعم المادة المصدرية تفسيراً متزناً. إذ يقول المنظمون إن التركيب يمكن أن يعزز ارتباط الناس بالطبيعة. كما يستشهدون بدراسات تشير إلى أن الأشخاص الذين يشعرون بارتباط عاطفي أكبر بالطبيعة أكثر ميلاً إلى التحرك لحمايتها، وقد يكونون أكثر سعادة أيضاً. لكن المصدر لا يقدم دليلاً مباشراً على أن سماع التربة الحية يفضي وحده إلى تغيير سلوكي دائم.

وهذا التمييز مهم. فلا ينبغي التعامل مع هذا التركيب بوصفه حلاً قائماً بذاته ومثبتاً لفتور الاهتمام بالحفظ. والأفضل فهمه كأداة للتفاعل تستند إلى أفكار راسخة في التعليم البيئي وعلم النفس. وتكمن قوته في جعل نظام بيئي مهملاً واضحاً وراسخاً في الذاكرة.

ومع ذلك، فهذه تدخل مهم. فكثيراً ما تواجه جهود الحفظ صعوبة ليس لأن العلماء يجهلون المخاطر، بل لأن الأنظمة المهددة تبقى بعيدة نفسياً عن الجمهور. ومشروع يخفف هذه المسافة، ولو مؤقتاً، قد يفتح المجال لدعم أقوى لجهود الحماية.

جعل غير المرئي حاضراً

أقوى فكرة في هذه القصة ليست تقنية، بل ثقافية. فالناس يحمون ما يلاحظونه، ويلاحظون ما يدخل حواسهم وخيالهم. ومن خلال تحويل النشاط البيولوجي تحت الأرض إلى صوت، يمنح تركيب “Living Soil” التربة شكلاً من الحضور الذي تفتقر إليه عادة.

ولعل هذا ما جعل الزوار الموصوفين في المصدر يتفاعلون بقوة كبيرة. فقد وُصفت التجربة بأنها “eye-opener and ear-opener” لأنها كسرت افتراضاً شائعاً بأن الأرض صامتة وسلبية. وبدلاً من ذلك، يكشف المشروع طبقة خفية من الحركة والحياة.

ومع تصاعد ضغوط المناخ والتنوع البيولوجي، ستحتاج جهود الحفظ إلى أكثر من البيانات والسياسات، بل إلى طرق أفضل لبناء صلة عامة. ورهان هذا المشروع أن إحدى هذه الطرق قد تبدأ بالاستماع.

  • يستخدم المشروع ميكروفوناً موضوعاً على عمق نحو 30 سنتيمتراً تحت الأرض لنقل الأصوات التي تصدرها كائنات التربة.
  • يقول المنظمون إن الهدف هو تعزيز الارتباط العاطفي لدى الناس بالطبيعة.
  • تأتي المبادرة ضمن مشروع الاتحاد الأوروبي الألماني-الهولندي “New Roots for Lasting Change”.

تعتمد هذه المقالة على تغطية من Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on phys.org