لغز أثري طويل الأمد يكتسب أدلة أقوى
يقول علماء آثار يعملون في سهل الجرار بشمال لاوس إنهم استخرجوا أول بقايا بشرية غير مضطربة مسجلة من داخل إحدى الأوعية الحجرية العملاقة في المنطقة، مما يقدم حتى الآن أوضح دليل مباشر على أن الجرار استُخدمت في ممارسات جنائزية. ويركز التنقيب على وعاء كبير يُعرف باسم الجرّة 1 في الموقع 75، حيث عثر الباحثون على كمية استثنائية من العظام البشرية تعود إلى نحو 1200 عام.
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن سهل الجرار حيّر علماء الآثار لعقود. فهناك أكثر من 2000 جرّة حجرية مجوفة منتشرة على هضبة شيانغ خوانغ، وقد اشتبه الباحثون منذ زمن طويل في أنها لعبت دورًا في طقوس الدفن. لكن حتى الآن لم يكن هناك دليل قاطع. وتوفر الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة Antiquity بحسب المصدر، أقوى دليل حتى الآن على أن بعض الجرار كانت منخرطة مباشرة في التعامل مع الموتى.
وبدل أن يحسم الاكتشاف كل الأسئلة، فإنه يزيدها دقة. فهو يشير إلى أن الجرار لم تكن مجرد معالم رمزية أو مرافق تخزين، بل جزءًا من نظام جنائزي منظم لا يزال معناه الاجتماعي والديني الكامل غير واضح.
ما الذي وجده الباحثون داخل الجرّة 1
تبرز الجرّة 1 حتى ضمن مشهد أثري غير مألوف أصلًا. ويصفها المصدر بأنها واحدة من أكبر الجرار المعروفة حاليًا في لاوس، مع جدران سميكة بشكل خاص وقاعدة عريضة وشكل يشبه الوعاء. ويبلغ عرضها نحو 6.7 أقدام، أو 2.05 متر. وخلال التنقيب، أدهش الباحثين العدد الكبير للعظام وحالة الطبقة المدفونة.
وبحسب المؤلف المشارك نيكولاس سكوبال من جامعة جيمس كوك، تبدو الجرّة 1 مختلفة عن غيرها من الجرار المنقبة في لاوس ليس فقط بسبب شكلها، بل بسبب كمية البقايا البشرية داخلها. وتشير العظام إلى أن أجيالًا متعددة من الناس وُضعت في الوعاء. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية لأنها توحي بإعادة الاستخدام عبر الزمن، لا بدفن واحد فقط.
ويرى الفريق أيضًا أن الجرّة لم تكن على الأرجح المكان النهائي لراحة المتوفين. بل ربما كانت مرحلة واحدة ضمن تسلسل جنائزي أكثر تعقيدًا. ووفق هذا التفسير، وُضعت الجثث أو البقايا المتحللة جزئيًا في الوعاء أثناء عملية وسيطة، قبل معالجتها لاحقًا أو دفنها في مكان آخر.
إعادة التفكير في الدور الجنائزي لسهل الجرار
فكرة ارتباط الجرار بالدفن ليست جديدة. فقد اشتبه علماء الآثار في هذه الوظيفة لسنوات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى البقايا البشرية المرتبطة بها والسياق الطقسي الأوسع للمواقع. لكن ما كان ينقص هو دليل حاسم في موقعه، من داخل جرّة نفسها. وهذا ما يجعل الجرّة 1 مهمة جدًا.
إذا كان الباحثون محقين، فإن الاكتشاف يدعم تصورًا لطقوس جنائزية ممتدة وجماعية وربما متعددة المراحل. إن وجود بقايا من عدة أجيال يشير إلى استمرارية في السلوك الطقسي، لا إلى ممارسة معزولة. وربما كانت الجرّة تعمل كمستودع مؤقت أو مساحة للتحول، حيث تمر الجثث بفترة من التحلل قبل خطوة احتفالية لاحقة.
وتُعرف مثل هذه الممارسات بأشكال مختلفة في العالم القديم، حيث لم يكن الدفن دائمًا حدثًا لمرة واحدة. ففي بعض المجتمعات، كانت طقوس الموت تمتد شهورًا أو سنوات وتتضمن التعامل المتكرر مع الرفات. وتمنح أدلة لاوس الآن هذا النمط الأنثروبولوجي الأوسع موطئ قدم أكثر تحديدًا في سهل الجرار.
مشهد أثري ما يزال مليئًا بالمجهول
حتى مع هذا الاكتشاف، لا تزال الحضارة التي صنعت الجرار غير مفهومة جيدًا. ووفقًا للمصدر، بُنيت الأوعية على امتداد طرق تجارية كانت مستخدمة بكثافة بين 500 قبل الميلاد و500 بعد الميلاد، لكن صانعيها الدقيقين والتسلسل الزمني الكامل لاستخدامها ما زالا غير مؤكدين. وتتراوح الجرار نفسها بين نحو 3.3 و10 أقدام ارتفاعًا، وكانت جزءًا من مشهد طقسي استُخدم طوال ما لا يقل عن ألف عام.
ويطرح هذا النطاق أسئلة عدة لم تُحسم بعد. لماذا صُنعت الجرار بأعداد كبيرة إلى هذا الحد؟ لماذا ركزت بعض المواقع على أشكال وأحجام معينة؟ كيف جرى استخراج الحجارة الضخمة ونقلها ووضعها في تضاريس صعبة؟ وكيف ارتبط استخدام الجرار بشبكات سياسية أو تجارية أوسع كانت تتحرك عبر البر الرئيسي لجنوب شرق آسيا؟
الجرّة 1 لا تجيب عن كل ذلك، لكنها تغيّر الأساس الأدلة. فلم يعد الباحثون مضطرين إلى استنتاج الدور الجنائزي من القرائن الظرفية وحدها. بل يمكنهم الإشارة إلى جرّة تحتوي على بقايا غير مضطربة والبناء من هناك.
لماذا يُرجح أن يؤثر هذا الاكتشاف في الحفريات المقبلة
من المرجح أن يؤثر هذا الاكتشاف في كيفية تحديد علماء الآثار لأولويات العمل المستقبلي عبر سهل الجرار. فإذا كانت إحدى الأوعية قد حفظت بقايا غير مضطربة، فقد تحتوي جرار أخرى أيضًا على أدلة سليمة يمكن أن توضح التسلسل والتأريخ والتباين الطقسي بين المواقع. وقد تركز استراتيجية التنقيب بشكل متزايد على تحديد الأوعية ذات السمات البنيوية غير العادية، إذ يبدو أن شكل الجرّة 1 وبنيتها يميزانها عن غيرها.
وقد يدفع ذلك الباحثين أيضًا إلى النظر إلى سهل الجرار بوصفه نظامًا جنائزيًا ذا اختلافات محلية وممارسات متغيرة وإعادة استخدام طويلة الأمد، بدل النظر إليه باعتباره لغزًا واحدًا له جواب واحد. ويمكن الآن مقاربة مشهد كان يبدو غامضًا بمعناه العام من خلال أسئلة أكثر تحديدًا: أي الجرار احتوت على الرفات، ولفترة كم، وتحت أي ظروف طقسية؟
بالنسبة إلى علم الآثار، يمثل ذلك تقدمًا حقيقيًا. فالألغاز الكبرى غالبًا لا تُحل بكشف واحد درامي، بل بقطعة حاسمة من السياق تجبر الباحثين على طرح أسئلة أفضل. وقد تكون الجرّة 1 بالضبط هذا النوع من نقطة التحول لأحد أكثر المواقع القديمة غرابة في جنوب شرق آسيا.
تعتمد هذه المقالة على تقرير من Live Science. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on livescience.com

