سجل بيولوجي للتطور

أعاد باحثون بناء شجرة عائلة الخلايا في جنين فأر نامٍ، عبر تحويل الحمض النووي للجنين نفسه إلى سجل لتاريخه. واستخدم العمل تقنية تتبع تُسمى DNA Typewriter، بقيت داخل الخلايا أثناء انقسامها واكتسابها وظائف متخصصة خلال التطور.

يبدأ السجل عندما تنقسم البويضة المخصبة إلى خليتين، ويستمر عبر 13.5 يومًا من التطور، وهي الفترة التي كان جسم الفأر وأعضاؤه قد تشكلا فيها. ويستمر الحمل الكامل لدى الفئران نحو 19 إلى 21 يومًا، ما يضع التجربة ضمن المرحلة التكوينية من التطور الجنيني.

وتتناول الدراسة، التي نُشرت في Science، سؤالًا محوريًا في علم الأحياء النمائي: كيف ترتبط أصول الخلية المبكرة بالدور الذي تؤديه لاحقًا. تبدأ كل الأعضاء والأنسجة بخلايا تشترك في أصول واحدة، لكن هذه الخلايا تنقسم وتتحرك وتتخصص تدريجيًا. وقد شكّل إعادة بناء هذه العلاقات على نطاق واسع تحديًا تقنيًا طويل الأمد.

كيف تعمل DNA Typewriter

أدخل الفريق “شريط” تسجيل مُعاد تصميمه إلى جينوم بويضة فأر مخصبة. ومع تطور الجنين، حفظ النظام المعلومات في المادة الوراثية للخلايا الناتجة. والتشبيه الذي قدمه الباحثون هو آلة كاتبة تكتب على الحمض النووي للخلية نفسها بدلًا من الورق.

وبما أن المسجل يبقى داخل المادة الوراثية لكل خلية، يمكن قراءة سجله لاحقًا من خلايا منفردة. ويجعل ذلك من الممكن استنتاج العلاقات بين الخلايا بعد أن يكون التطور قد تجاوز بكثير الانقسامات الأولى.

صُممت أحدث نسخة من الطريقة لتسهيل استعادة السجل من الخلايا الفردية. ولهذا التحسين العملي أهمية كبيرة: فنظام تسجيل السلالات لا يكون مفيدًا إلا إذا تمكن الباحثون من قراءة قدر كافٍ من تاريخه المخزن بصورة موثوقة لمقارنة الخلايا عبر الجنين.

في هذه الدراسة، تابع الباحثون التاريخ النمائي للخلايا منذ الانقسام الأول للبويضة المخصبة حتى تشكل مخطط جسم الجنين وأعضائه. وبذلك يربط العمل بين أحداث جنينية مبكرة جدًا ونتائج لا تظهر إلا في مراحل لاحقة بكثير من التطور.

لماذا تهم خرائط السلالات

السلالة الخلوية أكثر من مجرد تمرين في علم الأنساب. فهي توفر وسيلة لدراسة ما إذا كانت الاختلافات المبكرة بين الأسلاف ترتبط بالمصائر الخلوية اللاحقة. وقد تعتمد نتيجة نمائية على أكثر من الإشارات التي تتلقاها الخلية في لحظة معينة؛ إذ قد تعتمد أيضًا على موقعها ضمن سلسلة أطول من الانقسامات.

DNA Typewriter يسجل تاريخ الخلايا في جنين فأر مبكر
تُحقن DNA Typewriter في المادة الوراثية لبويضة فأر مخصبة. وتستفيد هذه التقنية من المادة الوراثية الموجودة في البويضة المخصبة والخلايا الجنينية الناتجة منها كجهاز لتسجيل تاريخ الخلايا. وهي تتتبع علاقاتها أثناء تطور الجنين. حقوق الصورة: Kyle O'Conner/Seattle Hub for Synthetic Biology

قال الدكتور Jay Shendure من كلية الطب في جامعة واشنطن، وهو مؤلف مشارك أول في الدراسة، إن الباحثين مهتمون بكيفية تأثير أصول الخلية المبكرة في مصيرها اللاحق. ووصف أبحاث السلالات بأنها طريق لفك شيفرة التطور الطبيعي.

ويمتد أثر ذلك المحتمل إلى ما هو أبعد من علم الأجنة الأساسي. وقال الباحثون إن فهمًا أفضل للسلالة النمائية قد يوسع المعرفة بالتشوهات الخلقية، واضطرابات النمو العصبي، والاضطرابات الجينية، والسرطان. غير أن الدراسة نفسها تجربة على جنين فأر، ولذلك تبقى هذه التطبيقات المحتملة اتجاهات لأبحاث مستقبلية، لا استخدامات سريرية مثبتة.

ومع ذلك، تظل الفكرة الأساسية مهمة. فإذا تمكن العلماء من ربط نوع خلية ناضجة بسجل مفصل لأصلها، فقد يصبحون أكثر قدرة على تحديد الوقت الذي تتفرع فيه المسارات النمائية، والأحداث المبكرة المرتبطة بالاضطرابات اللاحقة.

منصة لدراسة التطور

اخترع Shendure وJunhong Choi تقنية DNA Typewriter، ويعمل Choi الآن في Sloan Kettering Cancer Center. وشمل العمل الحالي شريطًا جينوميًا مُعاد تصميمه وتعاونًا قاده Shendure وChengxiang Qiu، عالم الأحياء الجزيئية والنظمية في Dartmouth College.

لا يكمن إنجازها الأساسي في وسم الخلايا عند نقطة زمنية واحدة فحسب، بل في الاحتفاظ بسجل تاريخي أثناء تكاثر تلك الخلايا وتمايزها. وقد يجعل هذا الفرق النهج ذا قيمة في التجارب التي يحتاج فيها الباحثون إلى فهم التسلسل والعلاقات، لا مجرد حصر أنواع الخلايا الموجودة في نهاية العملية.

كان الجنين في هذه التجربة حالة اختبار صعبة. فالتطور ينشئ مجموعة كبيرة ومتنوعة من الخلايا الناتجة من بويضة مخصبة واحدة، بينما تفصل أيام بين الانقسامات المبكرة التي تؤسس تلك العلاقات وظهور الأعضاء والأنسجة لاحقًا. وتجسر شجرة العائلة المعاد بناؤها هذه الفترة.

في الوقت الراهن، تمثل النتائج تقدمًا بحثيًا في نموذج الفأر. لكن الدراسة تقدم برهانًا أوضح على أن الحمض النووي يمكن أن يعمل كوسيط دائم لتسجيل التاريخ النمائي خليةً بخلية. وقد تساعد هذه القدرة الباحثين على طرح أسئلة أكثر دقة حول كيفية بناء الأنظمة الحية لنفسها انطلاقًا من خلية واحدة.

يستند هذا المقال إلى تقرير نشره Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on phys.org