قد يعيد «الاختصار الميكانيكي» في أعماق المحيط النظر في تقديرات نقل الكربون
تشير دراسة جديدة في Science Advances إلى أن إحدى أهم عمليات نقل الكربون في المحيط قد تكون تنقل المواد العضوية إلى الأسفل بسرعة وكفاءة أكبر مما افترضه كثير من المراقبين. وقد وجد باحثون بقيادة معهد علوم البحار ومركز الحوسبة الفائقة في برشلونة أن الصعود والهبوط الواسعين النطاق في الشتاء في شمال الأطلسي شبه القطبي يمكن أن يعملا بوصفهما «اختصاراً ميكانيكياً»، فينقلان جزيئات عضوية غنية بالمغذيات من السطح إلى أعماق تتجاوز 1,000 متر.
وتكتسب النتيجة أهمية لأن المحيط أحد المنظِّمين المركزيين لمناخ الأرض. فعندما تُنقل المواد العضوية المتشكلة قرب السطح إلى أعماق المحيط ثم في النهاية نحو قاع البحر، يمكن للكربون أن يُخزَّن بعيداً عن الغلاف الجوي لفترات طويلة. غير أن قياس هذا المسار صعب، لأنه يمتد من النشاط البيولوجي السطحي إلى النقل في المياه العميقة. ويهدف العمل الجديد إلى قياس عملية ربما لم تُقدَّر حق قدرها ضمن تلك السلسلة.
مسار أسرع من الجاذبية وحدها
في الأوصاف القياسية لتصدير الكربون البحري، تهبط الجسيمات العضوية تدريجياً بفعل الجاذبية. ولا تزال هذه الآلية مهمة، لكن الدراسة الجديدة ترى أنها ليست القصة كاملة. ففي مناطق مثل بحري لابرادور وإيرمينغر، يمكن لظروف الشتاء أن تثير فترات تصبح فيها مياه السطح أكثر كثافة، فتهبط بسرعة، وتساعد على دفع الحمل العميق.
تؤدي الرياح الشتوية الباردة والقوية إلى تبريد مياه السطح حتى تصبح ثقيلة بما يكفي للانغماس إلى الأسفل. وهذه العملية، المعروفة باسم الحمل العميق، يُعترف بها بالفعل بوصفها جزءاً من الدوران طويل الأمد الذي يربط محيطات العالم ويساعد على تنظيم المناخ. وما يبرزه الباحثون هو أن هذه العملية نفسها يمكنها أيضاً أن تسحب الطحالب الدقيقة الحية والحطام العضوي إلى الأسفل بسرعة أكبر بكثير من الترسيب البطيء المعتاد للجسيمات.
ولهذا يصف الفريق هذا المسار بأنه اختصار ميكانيكي. فبدلاً من انتظار المادة كي تسقط عبر عمود الماء تحت تأثير وزنها فقط، يقوم المحيط فعلياً بالتقاط تلك المادة وحملها إلى الأسفل في دفعات متقطعة لكنها قوية. ووفقاً للنص الأصلي، فإن هذا المسار إقليمي ومتقطع، لكنه أكثر كفاءة بكثير من الترسيب بفعل الجاذبية عندما يحدث.
ما الذي رصده الباحثون في شمال الأطلسي
جمعت الدراسة بين القياسات الواقعية والمحاكاة الحاسوبية المتقدمة. وقد حلل العلماء بيانات من عوامات Biogeochemical-Argo، وهي روبوتات تحت مائية ذاتية تتحرك مع التيارات وتجمع القياسات على أعماق تقارب 1,000 متر. وفي البيانات التي جُمعت بين عامي 2014 و2017، رصد الفريق قمماً مفاجئة للكلوروفيل في أعماق بحري لابرادور وإيرمينغر تزامنت مع فترات شديدة من هبوط مياه السطح.
وقد برزت هذه الملاحظة لأن الكلوروفيل يرتبط عادةً بالطبقة السطحية المضاءة بالشمس، حيث تعيش الكائنات القادرة على التمثيل الضوئي. إن العثور على إشارات مرتفعة للكلوروفيل على تلك الأعماق يوحي بأن المواد القادمة من الطبقات العليا للمحيط نُقلت بسرعة إلى الأسفل بدلاً من أن تتحلل ببطء قبل وصولها إلى هناك.
وساعدت المحاكاة الفريق على اختبار هذا التفسير وقياسه. ومن خلال الجمع بين ملاحظات العوامات والنمذجة عالية الأداء، تمكن الباحثون من تتبع كيف يمكن للحمل الشتوي أن يضخ مادة عضوية جديدة إلى أعماق المحيط على أطر زمنية قصيرة. والنتيجة صورة أوضح لعملية نقل يصعب التقاطها بالعينات التقليدية وحدها.
لماذا يغيّر هذا النقاش حول تخزين الكربون
الأهمية العملية للدراسة ليست مجرد تفاصيل محيطية. فحساب الكربون في البحر يعتمد على فهم مقدار المادة العضوية التي تغادر السطح، ومدى سرعة انتقالها، وكمية ما يتحلل منها في الطريق إلى الأسفل، وكمية ما يصل إلى أعماق يصبح فيها التخزين طويل الأمد أكثر احتمالاً. وإذا كان الحمل العميق قادراً على نقل المادة إلى الأسفل بسرعة أكبر من المتوقع، فقد تفوّت التقديرات الحالية جزءاً من توقيت أو حجم تصدير الكربون في بعض المناطق.

وحرص النص الأصلي على ألا يقدّم هذا بوصفه آلية عالمية تعمل في كل مكان وفي كل وقت. إذ وُصف بأنه متقطع وإقليمي. لكن الإقليمي لا يعني الهامشي. فشمال الأطلسي شبه القطبي مهم مناخياً، ويمكن للعمليات هناك أن تؤثر في كيفية نمذجة العلماء لدوران المحيط، والإنتاجية البيولوجية، وعزل الكربون.
كما تعزز الدراسة نقطة علمية أوسع مفادها أن الديناميات الفيزيائية للمحيط ودورة الكربون البيولوجية لا يمكن التعامل معهما كنظامين منفصلين. فقد تنتج الكائنات السطحية المواد العضوية، لكن الرياح وتغيرات الكثافة ودوران الانقلاب يمكن أن تشكل بقوة المكان الذي تنتهي إليه تلك المواد. وفي هذه الحالة، يبدو أن فيزياء الشتاء تسرّع جزءاً من المضخة البيولوجية للكربون.
الروبوتات والحواسيب الفائقة كأدوات مناخية
تذكّرنا هذه الأبحاث أيضاً بأن علم المناخ يعتمد بشكل متزايد على الاستشعار الموزع والحوسبة. فقد وفرت عوامات Biogeochemical-Argo نوعاً من الملاحظات المستمرة والمفصلة مع العمق، وهو أمر كان سيصعب ويكلّف كثيراً الحصول عليه عبر حملات السفن وحدها. وبما أنها تنجرف في المياه البعيدة وتعاين عمود الماء مراراً، يمكن لهذه العوامات أن تلتقط أحداثاً قصيرة ربما تمر من دون أن يلاحظها أحد.
ثم تحوّل الحوسبة الفائقة هذه الملاحظات إلى تفسير على مستوى النظام. ففي بيئة معقدة مثل شمال الأطلسي شبه القطبي، قد تُظهر القياسات وحدها أن أمراً غير مألوف قد حدث من دون أن تكشف الآلية كاملة. وتسمح المحاكاة العددية للباحثين باختبار ما إذا كانت إشارات الكلوروفيل العميقة المرصودة تتوافق مع السلوك المتوقع للنقل المدفوع بالحمل، وتقدير حجم هذا التأثير.
ويغدو هذا المزيج من الأدوات الذاتية التشغيل والنمذجة الحاسوبية محورياً أكثر فأكثر في علوم نظام الأرض. فهو يتيح للعلماء الانتقال من لقطات منفصلة إلى فهم العمليات، ولا سيما في الأماكن التي تجعل فيها العواصف الشتوية والجغرافيا النائية الرصد المباشر أمراً صعباً.
ما الخطوة التالية
الاستنتاج الرئيسي للدراسة هو أن العلماء قد يحتاجون إلى إيلاء مزيد من الاهتمام لأحداث التصدير الموسمية المدفوعة فيزيائياً عند تقييم دور المحيط في تخزين الكربون. وإذا كان النقل الهابط السريع أثناء الحمل الشتوي يحمل جسيمات عضوية جديدة إلى أعماق أكبر مما كان متوقعاً، فقد يؤثر ذلك في كيفية تفسير الباحثين لكل من الملاحظات الميدانية والنماذج المناخية بعيدة المدى.
ومن المرجح أن يركز العمل المستقبلي على مدى تكرار حدوث ذلك، وكمية الكربون المعنية، وما إذا كانت هناك مسارات شبيهة بالاختصار تعمل في مناطق محيطية أخرى. وهناك سؤال مفتوح آخر هو مقدار ما ينجو في النهاية من المادة المصدَّرة من التحلل ويسهم في العزل الأطول أجلاً قرب نظام قاع البحر أو داخله.
ومع كل هذه المجهولات، فإن الدراسة تصقل الصورة الخاصة بكيفية حبس المحيط للكربون. فالبحر العميق لا يصل إليه فقط مطر بطيء من الجسيمات. ففي بعض الأماكن والفصول على الأقل، يمكن أيضاً أن يتغذى على عمليات نقل مفاجئة مدفوعة ميكانيكياً، تُرسل المادة السطحية إلى الأسفل على عجل. وبالنسبة لعلوم المناخ، فهذا فرق مهم، لأن سرعة النقل وعمقه يؤثران في مدى قدرة المحيط على تخفيف أثر الغلاف الجوي.
ومع ازدياد دقة أبحاث دورة الكربون، تصبح هذه الفروق أكثر أهمية. فالعمل الجديد لا يعيد كتابة الأساسيات الخاصة بتخزين الكربون في المحيط، لكنه يضيف مساراً قد يكون مهماً إلى الخريطة. وفي مجال يمكن أن تتراكم فيه الأخطاء الصغيرة في العمليات لتتحول إلى حالات عدم يقين كبيرة في النمذجة، فإن تحديد طريق أسرع إلى أعماق المحيط يعد تقدماً ذا معنى.
هذه المقالة مبنية على تقرير Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on phys.org


