الكربون القديم في الحركة

عميقاً تحت الغابات الاستوائية الشاسعة لحوض الكونغو يقع أحد أهم مستودعات الكربون على الكوكب، وهي أراضي خث تراكمت فيها المواد العضوية لآلاف السنين. الآن، اكتشف الباحثون أن هذا الكربون القديم يتسرب. تحرر بحيرات وأنهار المياه السوداء المميزة في المنطقة، التي تتلون بالأسود بسبب المواد العضوية الذائبة، كربوناً كان محصوراً لآلاف السنين إلى الغلاف الجوي.

أثار الاكتشاف قلق علماء المناخ ويشير إلى أن ثاني أكبر مركب أراضي خث استوائية في العالم قد يكون يفقد الاستقرار بطرق لم تتوقعها نماذج المناخ الحالية. إذا تسارعت الاتجاهات، فقد تطلق كميات ضخمة من غازات الاحتباس الحراري ستزيد من تضخيم الاحترار العالمي في حلقة تغذية راجعة خطيرة.

قبو الكربون المخفي في حوض الكونغو

تم رسم خريطة أراضي الخث بحوض الكونغو بالكامل فقط في عام 2017، عندما اكتشف الباحثون أن المنطقة تحتوي على ما يقارب 30 مليار طن متري من الكربون، أي ما يعادل حوالي 20 عاماً من إجمالي انبعاثات الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة. جعل هذا حوض الكونغو أكبر مركب أراضي خث استوائية في العالم، متفوقاً حتى على رواسب الخث الواسعة في جنوب شرق آسيا.

تتشكل أراضي الخث عندما تمنع الظروف المشبعة بالمياه تحلل المواد النباتية الميتة بالكامل. على مدى قرون وآلاف السنين، تتراكم طبقات من المواد العضوية المتحللة جزئياً، مما يحبس الكربون خارج الدورة الجوية. تعمل هذه الأنظمة البيئية كمصارف كربون طبيعية ضخمة، لكن استقرارها يعتمد على البقاء مشبعة بالمياه. عندما تجف أراضي الخث عن طريق الصرف أو الجفاف أو تغيير أنماط هطول الأمطار، يصبح الكربون المخزن متاحاً للكائنات الحية الدقيقة التي تحوله إلى ثاني أكسيد الكربون والميثان.

أنهار المياه السوداء تحكي القصة

ركز الباحثون على أنهار وبحيرات المياه السوداء في الحوض، والتي تحصل على لونها الداكن من تركيزات عالية من الكربون العضوي الذائب المتسرب من التربة وأراضي الخث المحيطة. بتحليل العمر الإشعاعي للكربون الذائب في هذه الممرات المائية، قام الفريق باكتشاف مذهل: معظم الكربون يعود لآلاف السنين.

هذا يعني أن الكربون الذي يدخل نظام المياه لا يأتي من الأوراق المتساقطة مؤخراً أو النباتات السطحية. بدلاً من ذلك، يتم تحريكه من أعماق رواسب الخث، مواد كانت مخزنة بأمان تحت الأرض منذ وقت طويل قبل الثورة الصناعية. يشير وجود هذا الكربون القديم في ممرات مائية سطحية إلى أن وظيفة تخزين أراضي الخث تنهار في الأعماق، وليس فقط على السطح.

ما الذي يدفع الإطلاق؟

تبقى الآليات الدقيقة وراء حشد الكربون غير واضحة، وتحديدها أصبح الآن أولوية بحثية. قد تساهم عدة عوامل، سواء بشكل فردي أو مجتمع.

يغير تغير المناخ أنماط هطول الأمطار عبر وسط أفريقيا، مع تجربة بعض المناطق لفصول جافة أطول قد تخفض منسوب المياه الجوفية داخل أراضي الخث. حتى الانخفاضات المؤقتة يمكن أن تعرض الخث المشبع بالمياه مسبقاً للأكسجين، مما يؤدي لعمليات التحلل التي تستمر حتى بعد تعافي منسوب المياه.

كما تسرع درجات الحرارة المرتفعة النشاط الميكروبي في الخث، مما يزيد معدلات التحلل حتى في الظروف المشبعة بالمياه. أظهرت الأبحاث من أراضي الخث الشمالية في الدول الاسكندنافية وكندا أن الاحترار بدرجة أو درجتين مئويتين فقط يمكن أن يزيد بشكل كبير من انبعاثات الكربون من تربة الخث، وقد تعمل ديناميات مماثلة في المناطق الاستوائية.

قد تؤثر الأنشطة البشرية، بما في ذلك قطع الأشجار والزراعة وتطوير البنية التحتية في حوض الكونغو، على الهيدرولوجيا لنظام أراضي الخث. يمكن للطرق والمناطق المحررة أن تغير أنماط الصرف، وتوجه المياه بعيداً عن أراضي الخث وتقلل من الإشباع بالمياه الذي يحافظ على الكربون مخزناً بأمان.

نقطة تحول مناخية محتملة

تمتد الآثار بعيداً عن حوض الكونغو. تحتفظ أراضي الخث الاستوائية في جميع أنحاء العالم بما يقدر بـ 100 مليار طن متري من الكربون. إذا بدأت هذه الأنظمة بإطلاق كربونها المخزن على نطاق واسع، فقد تغمر الانبعاثات الجهود المبذولة لتقليل الناتج من غازات الاحتباس الحراري من الوقود الأحفوري والمصادر الصناعية.

عاملت نماذج المناخ أراضي الخث الاستوائية عموماً كمستودعات كربون مستقرة، مما يعني أن إسهامها المحتمل في الاحترار المستقبلي لا يتم حسابه بالكامل في الإسقاطات المستخدمة من قبل صانعي السياسات. إذا أشارت نتائج حوض الكونغو إلى اتجاه أوسع يؤثر على أراضي الخث الاستوائية عالمياً، فقد تحتاج إسقاطات المناخ إلى مراجعة كبيرة.

يرسم الوضع أوجه تشابه محرجة مع الصقيع الأبدي في القطب الشمالي، وهو مستودع كربون ضخم آخر يفقد الاستقرار بشكل متزايد مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية. مثل ذوبان الصقيع الأبدي، قد يؤدي إطلاق كربون أراضي الخث إلى حلقة تغذية راجعة إيجابية حيث يحرر الاحترار الكربون، مما يسبب احترار أكثر، الذي يحرر المزيد من الكربون، وهي حلقة ستكون من المستحيل عملياً عكسها مرة واحدة تماماً قيد التنفيذ.

الحفاظ كاستراتيجية مناخية

تؤكد النتائج على الأهمية الحاسمة لحماية أراضي الخث بحوض الكونغو من المزيد من الاضطراب. ركزت جهود الحفظ تاريخياً على التنوع البيولوجي بالحوض ودوره كموطن للأنواع المهددة بالانقراض مثل أفيال الغابات والشمبانزي. تضيف بعد الكربون منطق مناخي ملح لهذه الجهود.

ركزت المبادرات الدولية لحماية الغابات الاستوائية عموماً على منع إزالة الغابات بدلاً من الحفاظ على الهيدرولوجيا بأراضي الخث. يشير البحث الجديد إلى أن حماية أنظمة المياه التي تحافظ على أراضي الخث مشبعة قد تكون بنفس أهمية منع فقدان الأشجار، وأن استراتيجيات الحفاظ تحتاج للحساب سواء لمستودعات الكربون فوق وتحت الأرض. يدعو الباحثون إلى شبكات مراقبة موسعة عبر حوض الكونغو لتتبع التغييرات في الهيدرولوجيا بأراضي الخث والتدفقات الكربونية قبل أن تصبح غير قابلة للعكس.

تستند هذه المقالة إلى تقارير Live Science. اقرأ المقالة الأصلية.