قطعة من العصر البرونزي ربما أدت أيضا دور أداة سماوية

تعد قبعة برلين الذهبية من تلك القطع الأثرية التي تدعو فوراً إلى قراءتين في آن واحد. فمن جهة، هي طقسية بلا شك: غطاء رأس مرتفع مخروطي الشكل مصنوع من صفيحة واحدة من الذهب المطروق، ولافت بما يكفي ليهيمن على أي سياق شعائري. ومن جهة أخرى، جادل الباحثون بأن الأشرطة الزخرفية المرتبة بعناية لم تكن مجرد زينة. بل ربما حفظت نظاماً قابلاً للاستخدام لتتبع الزمن في السماء.

وهذه الإمكانية هي ما يبقي القطعة ذات صلة تتجاوز بكثير هواة الآثار. فإذا صح هذا التفسير، فإن القبعة دليل على أن نخب العصر البرونزي في وسط وغرب أوروبا ربما أدرجت المعرفة الفلكية داخل قطع طقسية ذات مكانة، فجمعت السلطة والدين وقياس الزمن في حزمة واحدة.

تُحفظ القطعة الآن في متحف ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في برلين، الذي اقتناها عام 1996 بعد تداولها في سوق الآثار. ويترك هذا التاريخ فجوة كبيرة: فمكان العثور الأصلي غير معروف. ومع ذلك، لدى الباحثين بعض السياق الجغرافي. إذ عُثر على القبعات الذهبية الثلاث الأخرى المعروفة من النوع نفسه في جنوب ألمانيا وغرب فرنسا، ما يشير إلى تقليد إقليمي أوسع لا إلى قطعة فريدة معزولة.

ما هي هذه القطعة ولماذا تبرز

تعد عينة برلين الأفضل حفظاً من بين القبعات الذهبية الأربع المعروفة من العصر البرونزي. ووفقاً للمادة المصدرية، يعود تاريخها تقريباً إلى ما بين 1000 و800 قبل الميلاد. ويبلغ ارتفاعها نحو 74 سنتيمتراً ويزيد وزنها قليلاً على 480 غراماً. وتحدد حافة القبعة شريط نحاسي مسطح وسلك نحاسي، بينما كان من المرجح أن بطانة من الصوف أو اللباد، المفقودة الآن، تساعد على تثبيتها عند ارتدائها.

وكان تأثيرها البصري كبيراً على الأرجح. فسطحها مغطى بزخارف متكررة تشمل دوائر متحدة المركز وأقراصاً وبيضويات مرتبة في أشرطة أفقية. وحتى قبل الدخول في أي تفسير فلكي، يخبرنا هذا التصميم بأن القطعة صُنعت وفق برنامج زخرفي دقيق. لم تكن عملاً معدنياً احتفالياً مرتجلاً. بل كانت منظمة ومقصودة ومُعدة لإيصال شيء ما.

أقوى تفسير ورد في النص المصدر جاء من عالم الآثار فيلفريد مينغين، الذي جادل في دراسة عام 2008 بأن تلك الأشرطة ترمز إلى قيم عددية تقابل تقويماً معيناً. ووفق هذا الفهم، يحمل كل شريط عدداً، ويمكن استخدام مجموعات الأشرطة لحساب الأشهر القمرية والسنوات الشمسية والتحويل بين التواريخ القمرية والشمسية.

لماذا يربطها العلماء بالتنبؤ بالخسوف

أكثر الادعاءات إثارة المرتبطة بقبعة برلين الذهبية هو أن منطق التقويم هذا كان يمكن استخدامه أيضاً للتنبؤ بخسوف القمر. وهذا لا يعني أن القبعة كانت أداة علمية حديثة، ولا يعني أن أهل العصر البرونزي امتلكوا فلكاً رياضياً مجرداً بالمعنى المعاصر. لكنه يشير إلى أن الدورات المتكررة للسماء ربما كانت قد رُصدت ونُظمت وأُدرجت في معرفة النخبة.

وهذا مهم لأن التنبؤ بالخسوف، حتى في صورة عملية محدودة، يقع عند تقاطع الملاحظة والسلطة الاجتماعية. فالشخص القادر على توقع ظواهر سماوية غير مألوفة لا يمتلك معرفة نافعة فحسب، بل قد يبدو أيضاً وسيطاً بين السماء والمجتمع.

a conical gold hat on display with a black background
صُنعت قبعة برلين الذهبية قبل نحو 3,000 عام من صفيحة ذهب واحدة وزُينت بزخارف تمثل تقويماً.

يعكس النص المصدر هذه الفكرة مباشرة. فقد وصف مدير المتحف ماتياس فيمهوف من يرتديها بأنه يحمل “معرفة سرية وخاصة جداً”، وتخيل كاهناً يظهر عند شروق الشمس على قمة جبل بينما تلتقط السطح الذهبي أول ضوء. وسواء طابق هذا التصور طقساً تاريخياً محدداً أم لا، فإنه يجسد المنطق الأوسع وراء القطعة: البريق والندرة والنظام المشفّر كلها تعزز المكانة الطقسية.

قطعة طقسية ذات معنى سياسي

إذا كانت القبعة قد عملت فعلاً ضمن عبادة شمسية، كما يشير المصدر، فمن المرجح أنها كانت أكثر من مجرد لباس ديني. ربما كانت جزءاً من نظام تساعد فيه المعرفة المتخصصة على إضفاء الشرعية على القيادة. فكثيراً ما ربطت المجتمعات القديمة السلطة بالتحكم في التقاويم لأن التقاويم كانت تنظم الزراعة والأعياد والوقت الجماعي. والشخص القادر على مواءمة الطقوس مع الدورات السماوية يكتسب سلطة ليس فقط بوصفه فاعلاً دينياً، بل أيضاً بوصفه منظماً اجتماعياً.

ولهذا أحد أسباب استمرار قبعة برلين الذهبية في جذب الانتباه. فهي توحي بأن أوروبا في العصر البرونزي احتفظت بتقاليد معرفة قابلة للنقل وذات طابع رمزي ومحمية مؤسسياً. وإذا كان تفسير الأشرطة المشفّرة صحيحاً، فهذا يعني أن المعلومات لم تُحفظ في الكتابة بل في الأشياء المصممة وفي الممارسة المتخصصة.

وهناك أيضاً نقطة أدق. فالسطح الذهبي للقبعة وطريقة صنعها المرهقة يشيران إلى توفر المواد والحرفية والرعاية. وحتى من دون يقين بشأن استخدامها الدقيق، فهي تنتمي إلى عالم كان فيه العرض النخبوي والمعنى الكوني مرتبطين ارتباطاً وثيقاً. ولم تكن القطعة مضطرة للاختيار بين الجمال والمنفعة. ففي الثقافة الطقسية القديمة، كان الاثنان قد لا ينفصلان.

ما يبقى غير مؤكد

إن عدم معرفة مكان الاكتشاف يمثل قيداً خطيراً. فبدون سياق التنقيب، يفقد علماء الآثار معلومات عن الإيداع واللقى المصاحبة والبيئة الطقسية المحلية. وهذا يجعل الادعاءات الجازمة محفوفة بالمخاطر. فالتفسير الفلكي مقنع، لكنه يظل تفسيراً لا حقيقة محسومة تثبتها القطعة وحدها.

ومع ذلك، تظل قبعة برلين الذهبية قيمة لأنها تحفظ نمطاً قوياً. فرموزها المتكررة وصلتها بالقبعات الثلاث الأخرى المماثلة، وقراءة التقويم التي طرحها الباحثون، كلها توفر أساساً ملموساً للتفكير في كيفية تنظيم مجتمعات أوروبا ما قبل التاريخ للمعرفة المقدسة.

وبهذا المعنى، فهذه القبعة ليست مجرد قطعة أثرية مذهلة من زمن سحيق. إنها تذكير بأن التعقيد التقني لا يبدو دائماً مثل الآلات. أحياناً يبدو مثل ذهب مطروق على شكل مخروط طقسي، يحمل أمام الجميع نموذجاً مشفراً للسماء.

هذه المقالة مبنية على تقرير من Live Science. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on livescience.com