محطة نائية في القارة القطبية الجنوبية سجلت أحد أبرد القراءات على الأرض منذ سنوات
بينما كانت مساحات واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية تتعامل مع موجات حر وحرائق غابات ودرجات حرارة صيفية مرتفعة على نحو غير معتاد، قدمت القارة القطبية الجنوبية تذكيرا بأن التطرف المناخي لا يتحرك في اتجاه واحد في كل مكان في الوقت نفسه. فقد سجلت محطة كونكورديا البحثية، في عمق الداخل القطبي الجنوبي، أدنى مستوى بلغ 119.4 درجة فهرنهايت تحت الصفر، أي 84.1 درجة مئوية تحت الصفر، في 18 يوليو. ووفقا للتقرير الأصلي، تعد هذه أبرد درجة حرارة مسجلة على الأرض منذ عام 2012.
جاءت هذه القراءة من إحدى أكثر النقاط العلمية عزلة في العالم. تقع كونكورديا على ارتفاع شاهق فوق هضبة القارة القطبية الجنوبية، وفي هذا الوقت من العام تكون في ظلام شتوي كامل. والظروف هناك قاسية بالفعل بكل المقاييس. فدرجات الحرارة تهبط بانتظام إلى ما دون 112 درجة فهرنهايت تحت الصفر، أو 80 درجة مئوية تحت الصفر، خلال الشتاء. ومع ذلك، قال قائد المحطة جابرييلي كاروجاتي إن درجات الحرارة التي تقل عن 84 درجة مئوية تحت الصفر تظل لافتة وتظهر مدى تغير الطقس في القارة القطبية الجنوبية.
لماذا يمكن أن تصبح كونكورديا شديدة البرودة إلى هذا الحد
تساعد جغرافية المحطة في تفسير سبب إنتاجها بعضا من أكثر درجات حرارة السطح تطرفا على الكوكب. فهي تقع في داخل القارة القطبية الجنوبية وليس على الساحل، ما يعني أنها معزولة عن التأثير المعتدل للمحيط المحيط. كما أنها تقع على ارتفاع عال، حيث يكون الهواء أرق وأبرد. وفي الشتاء القطبي، لا توجد أشعة شمس واردة تعوض فقدان الحرارة، لذلك يستمر سطح الثلج والهواء فوقه في إشعاع الطاقة إلى الخارج.
تشكل هذه العوامل الأساس، لكن أشد البرودة عادة يعتمد على تزامن الأحوال الجوية في الوقت نفسه. فالسماء الصافية تسمح بتسرب مزيد من الحرارة. والهواء الجاف جدا يحد من قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالدفء. كما أن الرياح الضعيفة تقلل من الخلط الذي قد ينزل به هواء أقل برودة قليلا إلى الأسفل أو ينقل الهواء الأبرد بعيدا. وعلى هضبة القارة القطبية الجنوبية، يمكن لهذا المزيج أن ينتج هبوطا حادا في الحرارة لا يكاد يضاهيه شيء آخر على الأرض.
وتظهر البيانات الخام المذكورة في المصدر أن المحطة لامست 84.1 درجة مئوية تحت الصفر مرتين في 18 يوليو، عند الساعة 6:25 صباحا و6:34 صباحا بالتوقيت المحلي. وتكرار القراءات عند المستوى نفسه مهم لأنه يؤكد أن الأمر لم يكن مجرد خلل عابر في المستشعر، بل جزءا من حدث برد حقيقي.
رقم قياسي للبرد يصل في شهر تهيمن عليه الحرارة
يعطي التوقيت لهذه القراءة صدى أوسع. فقد هيمن على يوليو 2026 في كثير من المناطق العكس تماما. وبحسب النص الأصلي، سجلت أوروبا الغربية أكثر شهور يونيو حرارة على الإطلاق، وواجهت دول عدة موجات حر. كما كانت حرائق الغابات نشطة في كندا والولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وأماكن أخرى. وقد يجعل هذا التباين حدثا برديا قياسيا أو شبه قياسي يبدو متناقضا في عالم يزداد دفئا، لكنه ليس كذلك.
يرفع تغير المناخ المتوسطات طويلة الأجل عبر احتجاز مزيد من الحرارة في الغلاف الجوي، لكنه لا يلغي تقلب الطقس ولا يمحو دور الجغرافيا المحلية والظلام الموسمي. ولا تزال القارة القطبية الجنوبية في الشتاء واحدة من الأماكن القليلة على الأرض التي يكون فيها المحيط البيئي مهيأ بالكامل للبرد الشديد. فالعالم الأكثر دفئا لا يمنع مكانا مثل كونكورديا من الانحدار إلى مستويات منخفضة استثنائية عندما تتوافر الظروف المناسبة.
وهذا التمييز مهم لأن الأحداث الباردة المعزولة كثيرا ما يساء فهمها في النقاش العام. فالطقس هو الحالة القصيرة الأجل للغلاف الجوي في مكان وزمان محددين. أما المناخ فهو النمط الأطول أمدا عبر السنوات والمناطق والكوكب كله. وتعد قراءة كونكورديا مهمة كحدث أرصادي وكذكرى بتطرفات القارة القطبية الجنوبية، لكنها لا تنقض اتجاه الاحترار الأساسي الموصوف في المصدر نفسه.
لماذا يهتم العلماء بقراءات كهذه
إن التطرفات في المحطات النائية ليست مجرد غرائب. فهي تساعد الباحثين على فهم سلوك الغلاف الجوي القطبي، واستقرار الكتل الهوائية الشتوية، والظروف التي تتشكل فيها الطبقات الهوائية الأبرد القريبة من السطح. وتعد القارة القطبية الجنوبية جزءا محوريا من نظام المناخ العالمي، ويمكن للقياسات من أماكن مثل كونكورديا أن تحسن نمذجة الطقس والمناخ عبر إظهار مدى التغير الذي يمكن أن تبلغه درجة الحرارة وبنية الغلاف الجوي تحت ظروف معينة.
وتكتسب كونكورديا أهمية خاصة بسبب عزلتها. فالمحطة تُدار بشكل مشترك من المعهد القطبي الفرنسي بول إميل فيكتور والبرنامج الوطني الإيطالي لأبحاث القارة القطبية الجنوبية. وتزيد عزلتها من صعوبة الخدمات اللوجستية، لكن هذه العزلة نفسها تمنحها قيمة علمية. وتعكس بيانات الموقع منطقة ذات تدخل محلي محدود وظروف طبيعية شديدة القسوة.
هناك أيضا بعد إنساني. فقد وُصفت كونكورديا أحيانا بأنها واحدة من أكثر المحطات الميدانية عزلة في العالم. والعيش والعمل هناك خلال الشتاء يعني العمل في ظلام تام، مع برد شديد وإمكانية وصول محدودة. وهذا يجعل كل قياس بيئي موثق نتاجا ليس للأجهزة فقط، بل أيضا لوجود علمي مستمر في واحد من أصعب البيئات على الأرض.
الرقم شديد، لكنه ليس غير مسبوق
يتجنب التقرير الأصلي تصوير قراءة 18 يوليو على أنها شيء خارج تماما عن تجربة القارة القطبية الجنوبية. فكونكورديا تنخفض كثيرا إلى ما دون 80 درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء، والقيمة الأخيرة، رغم استثنائيتها، وُصفت بأنها مهمة لبيئة المحطة أكثر من كونها غير مسبوقة. وهذه الدقة مفيدة. فما تزال القارة القطبية الجنوبية أبرد قارة على الأرض لأنها بالفعل أبرد بكثير من أي شيء يختبره معظم الكوكب.
ومع ذلك، فإن كونها أبرد قراءة مسجلة عالميا منذ عام 2012 يمنح الحدث وزنا حقيقيا. فهذه المحطات نادرة بما يكفي لتبرز في السجل الرصدي، خاصة خلال فترة تتركز فيها عناوين كثيرة حول الحرارة. وهي تظهر أن ذيول توزيع درجات الحرارة ما تزال درامية عند الطرفين، بحسب الموقع والموسم.
تذكير بمدى عدم تساوي الإحساس بكوكب يتغير
قد يكون الجانب الأكثر دلالة في قراءة كونكورديا هو التباين الذي تخلقه. ففي الكوكب نفسه، وخلال الشهر نفسه، كان الناس يتعاملون مع حرارة خطرة ودخان حرائق غابات ودفء قياسي، بينما سجلت محطة شتوية صغيرة على هضبة القارة القطبية الجنوبية ما يقارب 120 درجة فهرنهايت تحت الصفر. وهذا ليس تناقضا، بل مقياس لتعقيد الغلاف الجوي للأرض.
بالنسبة للعلماء، يمثل الحدث نقطة بيانات من أحد أكثر مختبرات الكوكب تطرفا. أما بالنسبة للجميع، فهو مثال حي على سبب حاجة النقاشات المناخية إلى الدقة. فما يزال العالم الدافئ يحتوي على أماكن يمكن أن يصبح فيها البرد شديدا بشكل مدهش. وتعد القارة القطبية الجنوبية، خاصة في عمق الشتاء، واحدة من هذه الأماكن.
هذا المقال مبني على تقرير لموقع Live Science. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on livescience.com




