ثوران فائق قديم، وصدمة مناخية أصغر
لطالما احتل ثوران جبل توبا قبل نحو 74,000 عام مكانة درامية في النقاشات حول تاريخ الإنسان قبل الكتابة. فقد كان أكبر ثوران بركاني في آخر 2.6 مليون سنة، إذ أفرغ آلاف الكيلومترات المكعبة من الصهارة من فوهة بركانية في ما يُعرف اليوم بسومطرة خلال نحو أسبوعين. وبسبب هذا الحجم، جادل بعض الباحثين بأن الحدث ربما تسبب في شتاء بركاني شديد، وبرّد الكوكب بشكل حاد، ودفع السكان البشر الأوائل نحو الانهيار.
أما البحث الجديد الذي وصفه موقع Ars Technica فيشير إلى اتجاه أقل كارثية بكثير. فقد فحص فريق بقيادة عالم الجيولوجيا جينهِم بارك من جامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينتس طينًا من قاع بحيرة فوهية صغيرة على الحدود بين كينيا وتنزانيا، ووجد دلائل على أن التأثيرات المناخية للثوران كانت أقصر وأضعف مما افترضته بعض السيناريوهات السابقة. وبدلًا من سنوات من التبريد الشديد، خلص الباحثون إلى أن التأثير استمر أقل من عامين، وبلغ ربما نصف درجة من التبريد.
إذا صحت هذه القراءة، فسوف تضعف بشكل كبير أحد أوسع الادعاءات المرتبطة بحدث توبا: أنه كاد يقضي على نوعنا. يظل الثوران استثنائيًا من الناحية الجيولوجية، لكن الثورات الاستثنائية لا تنتج تلقائيًا تأثيرات مناخية قادرة على إنهاء حضارة أو تهديد نوع كامل.
لماذا أصبح توبا مرشحًا لشبه الانقراض
كان منطق الفرضية القديمة بسيطًا. فالثورات البركانية تضخ ثاني أكسيد الكبريت في طبقة الستراتوسفير، حيث يتشكل منه ضباب من القطرات يعكس ضوء الشمس الوارد إلى الفضاء. وبوجه عام، يعني المزيد من ثاني أكسيد الكبريت مزيدًا من التبريد. وكان ثوران توبا كبيرًا إلى درجة بدت معها معاملةُه كحالة متطرفة من هذه العملية أمرًا معقولًا، قادرةً على خفض درجات الحرارة بما يكفي لتدمير النظم البيئية والسكان البشر الأوائل.
لكن العمل الجديد يؤكد أن العلاقة ليست خطية إلى ما لا نهاية. ووفقًا لبارك، عندما تتجاوز الثورات حدًا معينًا، يمكن لجسيمات الكبريتات أن تصبح أكبر وأن تترسب بسرعة أكبر لأنها أثقل. وهذا يعني أن الغلاف الجوي قد يصفو أسرع مما تفترضه النماذج البسيطة من نوع “ثوران أكبر، تبريد أكبر”. ومن هذا المنظور، فإن حجم الانفجار لا يضمن أثرًا مناخيًا أكبر أو أطول مدة بشكل متناسب.
وهذا مهم لأن تقديرات كمية الكبريت المنبعثة من توبا تباينت بشدة. فبحسب القيم التي استخدمها الباحثون، يمكن للنماذج المناخية أن تنتج نتائج مختلفة جذريًا، من حدث شبه انقراض إلى شيء أخف بكثير. لذلك دار الجدل حول كيفية إسناد هذه النماذج إلى أدلة مادية بدلًا من الافتراضات.
ساعة أفضل في الطين
إحدى الصعوبات في إعادة بناء الشتاءات البركانية هي التوقيت. فعلماء المناخ غالبًا ما يبحثون عن طبقات رماد أو إشارات مناخية محفوظة في رواسب قاع البحار أو البحيرات، لكن الأحداث المفاجئة يمكن أن تُطمس في تلك السجلات. ومع تراكم الرواسب في قاع البحيرات والمحيطات، تختلط المواد القادمة من سنوات مختلفة. وحتى عندما تُقطع النوى إلى شرائح رقيقة، فإن تلك الشرائح قد تجمع إشارات من عدة سنوات. وهذا يجعل الأحداث القصيرة والعنيفة صعبة الفصل بوضوح.
بالنسبة إلى التاريخ المناخي الطويل، يمكن التعايش مع هذا القيد. أما في حالة التبريد البركاني الذي قد لا يدوم سوى سنة إلى ثلاث سنوات، فيصبح هذا القيد مشكلة محورية. إذ يمكن لصدمة مناخية قصيرة أن تختفي عمليًا داخل أثر المتوسط في السجل الرسوبي.
ويبدو أن سجل بحيرة الفوهة المستخدم في الدراسة الجديدة قد قدّم رؤية أوضح. فبدلًا من العثور على دليل على تبريد شديد وطويل، رصد الفريق اضطرابًا أكثر تواضعًا. ويشير هذا إلى أن آثار ما بعد الثوران كانت حقيقية لكنها قصيرة، وأن الحدث قد لا يدعم أقوى صيغ قصة الاختناق السكاني البشري المبنية حوله.
ما الذي يتغير وما الذي لا يتغير
لا تجعل هذه الدراسة توبا غير مهم. فهو يظل واحدًا من أقوى الثورات المعروفة في السجل الجيولوجي، وحتى حلقة تبريد تقل عن عامين قد تكون مهمة محليًا أو إقليميًا. ما يتغير هو حجم الأثر البيولوجي والمناخي المفترض انطلاقًا منه.
وأهم خلاصة هنا منهجية بقدر ما هي تاريخية. فالسرديات الكبرى عن الكوارث القديمة غالبًا ما تعتمد على أدلة نادرة، وتواريخ غير مؤكدة، وافتراضات نمذجة تعزز بعضها بعضًا. وهنا، يبدو أن سجلًا رسوبيًا أكثر تقييدًا يعارض أكبر الادعاءات. وهذا لا يعني أن الجدل انتهى، لكنه يرفع معيار القول إن توبا دفع البشرية إلى الحافة.
كما يوضح درسًا أوسع في علم نظام الأرض: فالأحداث الفيزيائية الضخمة لا تتحول دائمًا بسلاسة إلى آثار بيئية طويلة الأمد بالقدر نفسه من الضخامة. فالكيمياء الجوية، وحجم الجسيمات، ومعدلات الترسب، وجودة السجل المحلي، كلها عوامل تشكل ما يفعله ثوران هائل فعليًا بالمناخ.
لماذا تظل النتيجة مهمة الآن
تحظى الثورات القديمة بالاهتمام لأنها تجارب طبيعية على إجبار مناخي سريع. ويستخدمها الباحثون لاختبار كيفية استجابة الغلاف الجوي لحقن مفاجئ للمواد، وكيف تمتص النظم البيئية الصدمات. ويُعد توبا مهمًا بشكل خاص لأن حجمه جعله حالة حدية. فإذا كان حتى أثره المناخي محدودًا من حيث المدة ومتوسطًا من حيث الشدة، فإن ذلك يغير طريقة تفكير العلماء في الحد الأعلى للتبريد البركاني.
أما بالنسبة إلى ما قبل تاريخ البشر، فالآثار بالقدر نفسه من الأهمية. فادعاءات أن كارثة واحدة كادت تمحو البشر الأوائل مثيرة، لكنها تحتاج إلى أدلة قوية بما يكفي لتمييز الاحتمال الدرامي من التفسير المستقر. وهذه إعادة البناء الجديدة تعيد عبء الإثبات إلى الحذر. فإذا كان هناك اختناق سكاني، فلا يمكن افتراض أنه نتج مباشرة عن ثوران توبا من دون دليل أقوى على إجهاد مناخي شديد.
بهذا المعنى، لا تقلل الدراسة من شأن البركان، بل تجعل القصة أكثر دقة. قد يكون جبل توبا قد أظلم السماء وبرّد درجات الحرارة، لكن الأدلة المتاحة هنا تشير إلى اضطراب أقصر وأخف من النسخة شبه المروعة التي شاعت. وبالنسبة إلى واحد من أكبر ثورات ما قبل التاريخ، فهذا تخفيض مهم.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Ars Technica. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on arstechnica.com

