الدنمارك تبدأ مرحلة جديدة من التجنيد مع تشدد المشهد الأمني

بدأت الدنمارك يوم الاثنين مرحلة جديدة من تعزيز قواتها المسلحة، عبر استيعاب نحو 1,600 مجند ضمن نظام تجنيد موسع يمدد الخدمة إلى 11 شهرًا، ويشمل النساء لأول مرة. ويشكل هذا التغيير تحولًا مهمًا لبلد اعتمد لسنوات بشكل كبير على المتطوعين، وكان يستخدم قرعة التجنيد أساسًا لملء المقاعد المتبقية.

ورغم أن الدفعة الفورية صغيرة نسبيًا، فإن التغيير في السياسة أكبر من مجرد تعديل روتيني في شؤون الأفراد العسكريين. وكانت كوبنهاغن قد قالت بالفعل إنها تخطط لرفع عدد المجندين سنويًا إلى 7,500 بحلول 2033، مقارنة بـ5,000 حاليًا. كما يعمّق البرنامج الجديد دور التجنيد في القوات المسلحة الدنماركية، بتحويله إلى مسار تدريب وتشغيل أطول بدلًا من فترة تعريفية قصيرة.

ويكتسب التوقيت أهمية خاصة. فالدنمارك تستجيب لبيئة أمنية تشكلتها الحرب في أوكرانيا، والقلق المتزايد من روسيا، والاهتمام الاستراتيجي المتنامي بالقطب الشمالي. كما تستعد لإرسال مجندين إلى غرينلاند لأول مرة في وقت لاحق من أغسطس، ما يمنح التجنيد دورًا مباشرًا في واحدة من أكثر مناطق المملكة الدنماركية حساسية سياسيًا.

من أربعة أشهر إلى 11 شهرًا

بموجب الهيكل الجديد، سيقضي المجندون خمسة أشهر في التدريب الأساسي تليها ستة أشهر في الخدمة العملياتية. وهذه زيادة كبيرة مقارنة بفترة الخدمة القياسية السابقة في الدنمارك والبالغة أربعة أشهر. ويهدف هذا الأمد الأطول إلى إعداد أفراد قادرين على أكثر من مجرد المرور بدورة تدريبية مختصرة، كما يمنح وقتًا أكبر للتخصص والاندماج في الوحدات والمهام العسكرية العملية.

وأعلنت الدنمارك لأول مرة هذه الإصلاحات الأوسع في عام 2024. وإلى جانب إطالة مدة الخدمة، قالت السلطات إن النساء سيُدرجن في التجنيد للمرة الأولى. ولا يزال نظام القرعة المعتمد في البلاد ينطبق على الشباب الأصحاء عند سن 18 عامًا، لكن القوات المسلحة اعتمدت عمليًا منذ زمن طويل بصورة أساسية على المتطوعين. وكانت القرعة تعمل إلى حد كبير كشبكة أمان، لا كالمحرك الرئيسي لتوليد القوة.

إن تمديد مدة الخدمة يغيّر قيمة كل دفعة. فالمجند الذي يخدم قرابة عام يمكن تدريبه على مستوى أعلى، وإلحاقه بأدوار أكثر تطلبًا، والاحتفاظ به مدة كافية ليسهم عمليًا. وهذا يجعل النظام الجديد أكثر فائدة لجيش يسعى إلى توسيع قدرته من دون الاعتماد حصريًا على القوات المهنية.

غرينلاند تمنح السياسة وزنًا إضافيًا

أكثر عناصر الدفعة الحالية حساسية سياسيًا هو نشرها المخطط في غرينلاند. ففي وقت لاحق من هذا الشهر، من المقرر أن تخدم هناك سرية تضم أكثر من 100 جندي لمدة شهر، لتتولى مهام عملياتية من القوات المهنية. وستكون هذه المرة الأولى التي يُرسل فيها مجندون دنماركيون إلى الإقليم شبه الذاتي.

وقد أصبحت غرينلاند أكثر مركزية في التخطيط الدفاعي بسبب جغرافيتها في القطب الشمالي ودورها في أمن شمال الأطلسي الأوسع. وبالنسبة إلى الدنمارك، فإن نشر مجندين هناك ليس مجرد قرار متعلق بالقوة البشرية. فهو يشير إلى أن البلاد تريد حضورًا عسكريًا أكثر وضوحًا عبر كامل أراضيها، وهي مستعدة لاستخدام نظام التجنيد المتوسع لدعم هذا الهدف.

كما تأتي هذه الخطوة في سياق سياسي شديد التعقيد على نحو غير معتاد. فقد ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا لضم غرينلاند بدوافع تتعلق بالأمن القومي، وهو مطلب رفضته حكومتا غرينلاند والدنمارك رفضًا قاطعًا. وقد أضاف هذا الخطاب ضغطًا دبلوماسيًا إلى صورة إقليمية متوترة أصلًا بسبب المنافسة في القطب الشمالي واندفاع أوروبا الأوسع نحو إعادة التسلح.

وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن هذا الموقف في قمة الناتو في أنقرة الشهر الماضي، قائلة إن الدنمارك مستعدة للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلف، بما في ذلك أراضيها. وفي هذا السياق، لم تعد غرينلاند قضية هامشية بعيدة. إنها جزء من الخط الأمامي لكيفية تعريف الدنمارك للسيادة والتزامات الحلف والردع في القطب الشمالي.

نمط نوردي أوسع، مع خصوصية دنماركية

الدنمارك لا تتحرك بمعزل عن غيرها. فما يزال التجنيد الإجباري سمة من سمات التخطيط الدفاعي في معظم شمال أوروبا. وتستخدم السويد وفنلندا والنرويج نماذج خدمة قائمة على التجنيد، وكذلك إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. ولم تؤدِ الحرب الروسية ضد أوكرانيا إلا إلى تعزيز الحجة القائلة إن الجيوش الأوروبية تحتاج إلى احتياطيات أكبر مدرَّبة ومسارات أسرع للتعبئة.

واللافت في الحالة الدنماركية هو الجمع بين إصلاح القوى البشرية وإرسال إشارات تتعلق بالأرض. فالبلاد لا تطيل الخدمة وتوسّع الأهلية فقط، بل تربط هذه التغييرات بمتطلبات عملياتية ملموسة، بما في ذلك الانتشار في القطب الشمالي والمهام التخصصية الجديدة داخل القوات.

وتقدم القوات المسلحة أيضًا مسارات تجنيد جديدة، من بينها فصيلة للطائرات المسيّرة ضمن قيادة العمليات الخاصة. وتشير هذه التفاصيل إلى أن الإصلاح لا يقتصر على تعزيز المشاة التقليدي. فالدنمارك تحاول مواءمة التجنيد مع التقنيات والمهام التي تعدها الجيوش الحديثة أساسية على نحو متزايد.

وهذا مهم بالنسبة إلى جيش أوروبي أصغر حجمًا. فالتجنيد الأطول والأكثر تنظيمًا يمكن أن يساعد على إنشاء قاعدة أوسع من المجندين الملمين بأنظمة المراقبة والمنصات غير المأهولة والخدمات اللوجستية وأدوار الدعم التي ستتنافس بخلاف ذلك على قوة بشرية مهنية نادرة.

لماذا تكتسب هذه الدفعة أهمية خارج الدنمارك

تُظهر دورة التجنيد الجديدة كيف تنتقل سياسة الدفاع الأوروبية من الخطاب إلى التنفيذ. فشيء أن تعلن الحكومات عن دفاعات أقوى أو موازنات أكبر أو مواقف أشد، وشيء آخر أن تغيّر من يخدم، ومدة خدمته، وإلى أين قد يُرسل.

وتفعل الدنمارك ذلك الآن بالضبط. فالفوج الأول بموجب القواعد المعدلة يجسد عدة تحولات مترابطة في وقت واحد: التزام خدمة أطول، ومشاركة أوسع، وأهداف استيعاب سنوية أكبر، ومسارات تدريب تقنية جديدة، ومهمة قطبية شمالية واضحة. وكل جزء يدعم الاستنتاج نفسه: ترى الدنمارك أن البيئة الأمنية الإقليمية أصبحت أكثر تطلبًا وأقل قابلية للتنبؤ مما كانت عليه قبل بضع سنوات فقط.

والنتيجة هي نظام تجنيد يعاد تموضعه من كونه إضافة محدودة إلى جزء أكثر أهمية من الدفاع الوطني. وما إذا كان الإصلاح سيحقق الحجم والجاهزية اللذين تريدهما الدنمارك سيعتمد على جودة التدريب، والاحتفاظ بالمجندين، ومدى فعالية دمجهم في المهام العملياتية الفعلية. لكن الاتجاه واضح. فالدنمارك تبني قاعدة دفاعية أكبر وأكثر استدامة لفترة تحددها الضغوط الروسية، والمنافسة في القطب الشمالي، واحتمال أن تدخل حتى الحلفاء المقربون عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى الأمن الإقليمي.

تعتمد هذه المقالة على تقارير Defense News. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on defensenews.com