اندفاع إعادة التسلح في البلطيق يتحول إلى استراتيجية صناعية، لا مجرد قائمة مشتريات
تستعد إستونيا ولاتفيا وليتوانيا لإنفاق نحو 12.2 مليار يورو من قروض برنامج العمل الأمني لأوروبا، أو SAFE، التابع للاتحاد الأوروبي على الأسلحة والمعدات والذخائر، مع توقع إبرام العقود الأولى خلال أسابيع. والحجم المخطط للمشتريات كبير بالنسبة لثلاث دول صغيرة في الخطوط الأمامية، لكن الإشارة الأهم قد تكون في كيفية رغبتها في إنفاقه. فالمسؤولون في البلطيق لا يبحثون فقط عن تسليمات سريعة من الشركات الأجنبية الكبرى، بل يضغطون من أجل الإنتاج المحلي، وقدرات الصيانة، ونقل التكنولوجيا جزئيًا على الأقل.
يعكس هذا التركيز الدروس المستخلصة من الغزو الروسي لأوكرانيا ومن الجهد الأوروبي الأوسع لتوسيع التصنيع الدفاعي. ويجعل النص المصدر موقف البلطيق واضحًا: تُعامَل القدرة الصناعية الآن بوصفها امتدادًا للقدرة القتالية. وعمليًا، يعني ذلك أن الحكومات تحاول ضمان إمكانية إنتاج الذخائر الأساسية والأنظمة المدرعة وقدرات الدعم أو الحفاظ عليها بالقرب من الجبهة الشرقية بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج وفق افتراضات زمن السلم.
ليتوانيا تضع نفسها في موقع العميل وقاعدة التصنيع في آن واحد
تبدو ليتوانيا الأكثر تقدمًا في صياغة هذا النهج ذي المسارين. وقال الرئيس غيتاناس ناوسيدا إن البلاد استخدمت الحرب في أوكرانيا محفزًا لجذب استثمارات دفاعية من شركات أجنبية وبناء قدرة إنتاج محلية لضمان الإمدادات خلال النزاع. كما جادل بأن ليتوانيا لا ينبغي أن تُرى فقط بوصفها وجهة للبيع، بل كمكان تستطيع فيه الشركات بناء مواقع صناعية دائمة للمنطقة وللحلف.
ويذكر النص المصدر أن ليتوانيا خُصص لها 6.38 مليار يورو من قروض SAFE، مع توقع أن يدعم جزء كبير من التمويل شراء دبابات ومركبات قتالية للمشاة وذخائر من موردين أوروبيين. واستشهد ناوسيدا بأمثلة ملموسة على ترسيخ صناعي جارٍ بالفعل، بما في ذلك اختيار شركة Rheinmetall لليتوانيا لإنتاج الذخائر الإقليمي، وعمل KNDS France وKNDS Germany في التجميع والصيانة المرتبطة بالمعدات العسكرية.
لماذا تريد دول البلطيق أكثر من مجرد شراء جاهز
يستند موقف البلطيق إلى الجغرافيا ودوره في الحلف وتجارب سلاسل الإمداد الأخيرة. تقع ليتوانيا، إلى جانب لاتفيا وإستونيا، على الجناح الشرقي لحلف الناتو، وتتعامل مع مرونة المشتريات بوصفها جزءًا لا ينفصل عن الردع. شراء أنظمة متقدمة من دون صيانة أو إصلاح أو تصنيع محلي قد يحل مشكلة ويخلق أخرى: الاعتماد على دورات الإنتاج الخارجية ومسارات النقل في أوقات الأزمات.
أكد المسؤولون في مؤتمر DAIMEX Baltic أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج ينبغي أن يكون موجودًا في الدول الثلاث، وأن نقل التكنولوجيا جزئيًا أو كليًا أفضل من الشراء الجاهز بالكامل. وهذا لا يعني أن الموردين الأجانب غير مرحب بهم، بل يعني أن المشاركة الأجنبية تُقاس بشكل متزايد بما إذا كانت تترك وراءها قدرة ومهارات وخيارات سيادية، لا مجرد معدات نهائية.
الإنفاق الإقليمي يرتبط بالاندماج الصناعي طويل الأمد
قد يكون الجزء الأكثر تأثيرًا في الاستراتيجية البلطيقية هو محاولة ربط إعادة التسلح العاجلة بالاندماج الأطول أجلًا في سلاسل الإمداد الأوروبية وعبر الأطلسي. وقال فينكاس يورغوتيس من رابطة صناعة الدفاع والأمن الليتوانية إنه منذ 2022 كان هناك دفع كبير لتطوير شركات الدفاع الليتوانية وإدماجها في برامج أكبر تُنفَّذ مع شركاء أجانب. ويشير ذلك إلى أن صناع السياسات يحاولون تجنب دورة الازدهار والكساد التي يرتفع فيها الإنفاق الأمني الطارئ بشدة بينما تبقى الصناعة المحلية سطحية.
إذا نجحت هذه الاستراتيجية، فقد تخرج دول البلطيق ليس فقط بترسانات أكبر، بل بأدوار أكثر رسوخًا في مجالات مثل الذخائر ودعم المركبات وغيرها من منافذ الإنتاج الدفاعي. وسيكون لذلك أهمية تتجاوز الحدود الوطنية. فمشكلة إعادة التسلح في أوروبا هي جزئيًا مشكلة قدرة، والدول الأصغر التي تستطيع استضافة الأنظمة الرئيسية أو تجميعها أو صيانتها قد تصبح نقاطًا مهمة في شبكة دفاع أوسع.
التحدي سيكون في السرعة والحجم والتنفيذ
الطموح واضح، لكن التنفيذ سيكون صعبًا. فبرامج إعادة التسلح تصطدم عادةً بآجال توريد طويلة ونقص في العمالة واختناقات صناعية. ويختصر طلب ناوسيدا من الصناعة أن “تنجز بسرعة وفي الوقت المحدد” هذا التوتر. فالدول البلطيقية تريد العجلة والتغيير البنيوي معًا. وهي تحتاج إلى الأسلحة بسرعة، لكنها تريد أيضًا بصمات تصنيع تستغرق سنوات لبنائها ونضجها.
هناك أيضًا رهان ضمني بأن الموردين سيقبلون بشروط أكثر صرامة مقابل الوصول إلى تدفقات شراء كبيرة ومدعومة. بعضهم سيفعل ذلك، بينما قد يفضّل آخرون صفقات تصدير أنظف وأقل توطينًا. وستساعد طريقة تطور هذه المفاوضات في تحديد ما إذا كان إنفاق الدفاع البلطيقي سيصبح نقطة تحول صناعية دائمة أم سيبقى في معظمه دورة شراء سريعة بأثر محلي محدود.
ومع ذلك، فالوجهة واضحة. فبالنسبة لدول البلطيق، لم تعد إعادة التسلح مجرد شراء لمواجهة المخاطر. بل أصبحت وسيلة لاستخدام دروس الحرب وتمويل الاتحاد الأوروبي لإعادة تشكيل مكان تمركز القدرة الدفاعية. في هذا النموذج، لا يكون طلب الدبابات أو عقد الذخائر مجرد حدث شراء، بل قرارًا يتعلق بمن يستطيع الحفاظ على الردع عندما تصبح سلسلة الإمداد نفسها جزءًا من خط المواجهة.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Defense News. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on defensenews.com
