طريقان إلى الصوت نفسه
قد يبدو الضحك سهلاً، لكن الدماغ ربما يشغّل نظامين منفصلين عندما يحدث. في مراجعة نُشرت في Trends in Neurosciences، جمع الباحثون أدلة من إجراءات تحفيز الدماغ أثناء اليقظة، وملاحظات سريرية، ودراسات على الحيوانات، ليجادلوا بأن الضحك التلقائي والضحك الإرادي ينشآن من شبكات عصبية مختلفة.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية لأن الضحك ليس مجرد منعكس أو اندفاع عاطفي. إنه أيضاً أداة اجتماعية، تتزامن بدقة لافتة في المحادثة. ووفقاً للمراجعة، يبدو أن الدماغ يفصل بين هاتين المهمتين: فشبكة ترتبط بالانفجارات اللاإرادية المدفوعة عاطفياً، وأخرى تدعم الضحك المقصود في الحوار، والذي يمكن أن يبدأ ويتوقف عند الطلب.
ركّز المؤلفون على مصدر نادر لكنه شديد الدلالة من الأدلة: تحفيز الدماغ قبل الجراحة لدى مرضى الصرع. خلال هذه الإجراءات، يحفّز الأطباء كهربائياً مناطق محددة من الدماغ بينما يبقى المرضى مستيقظين، مما يساعد على تحديد النسيج المهم للتخطيط العلاجي. وأحياناً يمكن أن يُستثار الضحك دون قصد، ما يمنح الباحثين فرصة لربط الاستجابة بمناطق دماغية دقيقة، وفي الوقت نفسه الاستماع إلى المرضى وهم يصفون ما شعروا به في اللحظة نفسها.
الضحك التلقائي مقابل الضحك الإرادي
تركز المراجعة على تقسيم لاحظه الباحثون منذ وقت طويل لدى الأشخاص الأصحاء. فالضحك التلقائي هو ذلك النوع الذي ينفجر عندما يثير شيء ما الشخص فعلاً. وقد يبدو غير قابل للتحكم، ويحمل قوة عاطفية شديدة، وأحياناً يستمر أطول مما يقصده الشخص. ويشير المؤلفون إلى أن هذا الشكل من الضحك ارتبط أيضاً ببعض اضطرابات النوبات، واضطرابات المزاج، ومرض ألزهايمر، والفصام.
أما الضحك الإرادي فهو مختلف. إنه الضحك الذي يظهر غالباً في المحادثة العادية. يستخدمه الناس للدلالة على الدفء، أو الموافقة، أو المجاملة، أو السخرية، أو الفهم المشترك. وغالباً ما يكون منسقاً بإحكام مع الكلام، ويظهر كثيراً في نهاية الجملة ثم يتوقف بسرعة حتى تستمر المحادثة. ويشير هذا التوقيت وحده إلى مستوى من التحكم الحركي والتنظيم الاجتماعي لا يتطلبه الضحك التلقائي.
وتجادل المراجعة بأن هذه الفروق السلوكية تعكس نظامين عصبيين أساسيين. فشبكة تبدو أنها تولد الضحك المدفوع عاطفياً بشكل أكثر تلقائية. وأخرى تبدو أنها تدعم إنتاج الضحك عمداً بوصفه فعلاً تواصلياً.
لماذا تعد دراسات التحفيز مفيدة جداً
إن دراسة الضحك الحقيقي في المختبر أصعب مما يبدو. يمكن للناس أن يتصنعوا الضحك عند الطلب، لكن الباحثين المهتمين بالضحك الحقيقي يحتاجون إلى شيء أقل تصنّعاً. وهذا ما يجعل دراسات التحفيز ذات قيمة استثنائية. فعندما يضحك مريض بعد تحفيز منطقة معينة من الدماغ، يحصل الباحثون على نافذة نادرة على الدارات القادرة على إنتاج هذا السلوك مباشرة.
وبما أن المرضى يكونون مستيقظين، فإن تلك اللحظات قد تكشف أكثر من الصوت الخارجي وحده. فبعض الأشخاص يصفون شعوراً بالمرح أو السرور بالتزامن مع الضحك، بينما قد يضحك آخرون من دون أن يصفوا الإحساس الداخلي نفسه. وهذا الفرق مهم، لأنه يشير إلى أن الفعل الحركي للضحك والتجربة الذاتية التي قد ترافقه ليسا دائماً الشيء نفسه.
ومن خلال مقارنة تقارير التحفيز بالأدلة السريرية والحيوانية الأوسع، خلص المؤلفون إلى أن الضحك يُفهم على نحو أفضل بوصفه وظيفة موزعة لا بوصفه نتاج «مركز ضحك» واحد. وبدلاً من ذلك، تبدو مناطق مختلفة مساهمة في الدافع العاطفي، وإنتاج الصوت، والتوقيت، والتنسيق الاجتماعي.
إشارة اجتماعية ذات قيمة سريرية
وتؤكد المراجعة أيضاً سبب استحقاق الضحك اهتماماً جاداً من علم الأعصاب. فهو إشارة اجتماعية عالمية تساعد الناس على الترابط، وتنظيم التفاعلات، ونقل النية. فقد يخفف الضحك من حدة النقد، أو يميز الفهم المشترك، أو يظهر الانتماء من دون نطق كلمة واحدة. وإذا كان الدماغ يستخدم شبكة واحدة للضحك اللاإرادي وأخرى للضحك المنضبط في المحادثة، فقد يساعد هذا الانقسام في تفسير سبب اضطراب أحد الشكلين أكثر من الآخر في بعض الحالات العصبية والنفسية.
ولذلك آثار عملية. ففي الاضطرابات التي يصبح فيها الضحك غير ملائم، أو مفرطاً، أو منفصلاً عن السياق، قد يواجه الأطباء خللاً في الأنظمة التي تنظّم عادة التفريغ العاطفي أو التوقيت الاجتماعي. وفي الاضطرابات التي تؤثر في الكلام والتخطيط الحركي، قد تتغير أيضاً القدرة على استخدام الضحك عمداً في المحادثة بطرق تختلف عن الضحك التلقائي.
ولا تقدم المراجعة تجربة جديدة أو خريطة دماغية واحدة حاسمة. وإسهامها هو تجميع النتائج المتفرقة في إطار أكثر ترابطاً: الضحك ليس شيئاً واحداً، وربما الدماغ لا يعامله كذلك أيضاً.
ما الذي يغيّره هذا في علم الأعصاب
بالنسبة إلى علم الأعصاب، تقدم الدراسة تذكيراً مفيداً بأن السلوكيات اليومية غالباً ما تجمع بين طبقات متعددة من الوظائف. يبدو الضحك بسيطاً لأن البشر متمرسون فيه إلى حد كبير، لكن هذا الفعل قد يتطلب معالجة عاطفية، والتحكم في التنفس، وإصدار الصوت، والتوافق السريع مع السياق الاجتماعي. ومنح هذه المكونات منفصلة إلى شبكتين متفاعلتين على الأقل يتيح للباحثين طرح أسئلة جديدة بدقة أكبر.
وقد تختبر الأعمال المستقبلية كيف تتفاعل هذه الشبكات، وما إذا كانت تتطور بشكل مختلف خلال الطفولة، وكيف تتغير في المرض. وقد يساعد ذلك أيضاً في تفسير سبب اختلاف صوت الضحك المصطنع أو المفتعل عن الضحك الذي ينفجر بشكل طبيعي، حتى عندما لا يستطيع المستمعون تحديد السبب بسهولة.
في الوقت الراهن، تُحكم هذه المراجعة حدساً قديماً. فالبشر لا يضحكون فقط لأن شيئاً ما مضحك، بل يضحكون أيضاً من أجل التنسيق مع بعضهم بعضاً. وتشير الأدلة التي جُمعت من تحفيز الدماغ أثناء اليقظة إلى أن الدماغ يدرك هذا الاختلاف، ويبني مسارات منفصلة للضحك الذي ينفجر من الشعور، والضحك الذي يساعد الحياة الاجتماعية على الاستمرار بسلاسة.
تعتمد هذه المقالة على تقرير من Medical Xpress. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on medicalxpress.com





