الحكومات تفعل أكثر من مجرد تنظيم المنصات
أحد التحولات الهادئة في السياسة الرقمية هو أن الدول والمؤسسات السياسية لم تعد تحاول فقط ضبط سلطة المنصات من الخارج. بل بدأت أيضًا في بناء قنوات جديدة خاصة بها، وتجربة التوزيع المباشر، وتشكيل الطريقة التي تصل بها الروايات الرسمية إلى الجمهور. وقد التقط تقرير Engadget عن تطبيق البيت الأبيض الجديد هذا التحول بصيغة غير معتادة في صراحتها.
يُقدَّم التطبيق على أنه خط مباشر إلى البيت الأبيض، يوفّر البيانات الصحفية والبث المباشر والاتصالات الرسمية والإشعارات. وعمليًا، يقول التقرير إنه يعمل كنقطة مركزية لرسائل إدارة ترامب، مع بعض الميزات التي تبدو أقرب إلى التفاعل على طريقة الحملات السياسية منها إلى البنية التحتية المدنية. ومن الأمثلة التي أبرزها Engadget تبويب أخبار مليئًا بقصص تبدو إيجابية بشكل واضح، ومطالبة بعنوان “أرسل رسالة إلى الرئيس ترامب” تملأ نصًا مديحيًا مسبقًا، ومسارًا لإرسال بلاغات إلى دائرة الهجرة والجمارك الأميركية.
مرحلة جديدة في سياسة المنصات
تكمن الأهمية الأكبر لهذا النوع من التطبيقات في البعد الثقافي بقدر ما تكمن في البعد التقني. لسنوات طويلة، حددت العلاقة بين الحكومات والمنصات الكبرى من خلال الاعتماد المتبادل. كانت الجهات الرسمية تحتاج إلى الشبكات الاجتماعية ومواقع الفيديو ونظم التطبيقات للوصول إلى المواطنين على نطاق واسع. ولا يزال هذا الاعتماد قائمًا، لكنه بات يترافق بشكل متزايد مع شيء آخر: جهود إنشاء قنوات دولة ذات هوية تجارية تتجاوز أو تكمل على الأقل خلاصات الأطراف الثالثة.
تطبيق البيت الأبيض، كما يصفه المصدر، لا يحل محل وسائل التواصل الاجتماعي أو الويب. ويفيد التقرير بأن كثيرًا من وظائفه يفتح مواقع خارجية. لكن هذه ليست النقطة الأساسية. النقطة هي الرمزية والاستراتيجية. فالتطبيق المستقل يصوغ الاتصال الرسمي بوصفه وجهة، لا مقاطعة داخل منصة شخص آخر. وهو يخلق غلافًا مضبوطًا للرسائل والإشعارات والصور والدعوات إلى الفعل.
وهذا مهم لأن التحكم في التوزيع يعني بشكل متزايد التحكم في الانتباه. عندما تبني الحكومات قنواتها الخاصة، فإنها لا تنشر معلومات فحسب، بل تحاول أيضًا تنظيم الطريقة التي يواجه بها المواطنون تلك المعلومات.
الاتصال الرسمي والهوية السياسية
يؤكد سرد Engadget على السرعة التي ينتقل بها الإطار المدني للتطبيق إلى الهوية السياسية المرتبطة بالعلامة. وتشكك الصحيفة في قيمة التطبيق كأداة، وتصفه بأنه بوابة منتقاة بعناية لسرديات مواتية. وهذا التوتر كاشف. فالأدوات الرقمية الرسمية كثيرًا ما تُقدَّم على أنها بنية تحتية للخدمة العامة، لكن تصميمها قد يذوب في الإقناع، وبناء الولاء، وإدارة الصورة.
تُعد ميزة “أرسل رسالة إلى الرئيس ترامب” مثالًا جيدًا لأنها تقلص المسافة بين المنصب الرسمي والهوية السياسية الشخصية. فالمستخدم لا يتواصل فقط مع مؤسسة. ووفقًا للتقرير، يشجعه التطبيق أولًا على التعبير عن الثناء الشخصي قبل أن يحول التفاعل إلى تسجيل تسويقي. هذا ليس خيار تصميم محايدًا. إنه يعكس نمطًا أوسع يمكن فيه للواجهات الرقمية أن تحول الوصول إلى المؤسسات إلى تعبئة سياسية.
أما الإضافة المبلغ عنها لوظيفة تقديم البلاغات إلى ICE فتدفع الفكرة أبعد من ذلك. فهي تشير إلى أن مثل هذه التطبيقات لا تعمل فقط كأدوات اتصال، بل أيضًا كقمعات سلوكية، تشجع المواطنين على المشاركة في أنظمة الإنفاذ أو المجتمعات الأيديولوجية عبر واجهة واحدة.
الاتجاه الأوسع
تتضح أهمية تطبيق البيت الأبيض أكثر عندما يوضع إلى جانب تطورات أخرى في الحوكمة الرقمية. فالنمسا تمضي في تشديد قواعد وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين. ودول أخرى تضغط على المنصات بشأن السلامة والإشراف والمساءلة. وفي الوقت نفسه، تتعلم المؤسسات العامة من منطق التصميم الخاص بالمنصات نفسها: الإشعارات، وحلقات التفاعل، والخلاصات ذات الهوية التجارية، والقنوات المباشرة.
بمعنى آخر، تستجيب الحكومات لعصر المنصات بطريقتين في آن واحد. فهي تسعى إلى مزيد من السيطرة على الأنظمة الرقمية الخاصة، وفي الوقت نفسه تصبح أكثر شبهًا بالمنصات في اتصالاتها الخاصة.
هذا لا يعني أن كل تطبيق حكومي هو أداة دعائية أو شيء جديد تمامًا. فكثير منها أدوات خدمة روتينية. لكن عندما تبدأ طبقة الاتصال الحكومية في تبني مفردات وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق ذي الاستجابة المباشرة، تصبح الفجوة الثقافية بين الحكم وإدارة الانتباه أقل ثباتًا.
لماذا يهم هذا ثقافيًا
الثقافة لا تتشكل فقط بما تقوله المؤسسات، بل أيضًا عبر الواجهات التي تقول من خلالها ذلك. فموقع حكومي منظم حول الوثائق والإعلانات الرسمية يعبّر عن نوع من العلاقة مع الجمهور. أما تطبيق مبني حول التنبيهات الفورية ودوارات القصص المنتقاة والمطالبات الشخصية فيعبّر عن علاقة أخرى. الوسيط يغيّر نبرة السلطة.
ويبدو أن تطبيق البيت الأبيض الذي وصفه Engadget يدفع هذا التطور إلى سجل حزبي أكثر علنية. وهذا يجعل من السهل اعتباره أمرًا غريبًا أو مبالغًا فيه. لكنه قد يكون أيضًا علامة على الاتجاه الذي تتجه إليه الاتصالات العامة على نطاق أوسع. ففي بيئة إعلامية مجزأة، تريد المؤسسات قنوات يمكنها التحكم فيها، وجماهير يمكن إشعارها فورًا، وواجهات تبقي الانتباه داخل مساحاتها ذات العلامة الخاصة.
هذه المنطق لم يعد يخص الحملات السياسية أو شركات الإعلام فقط. إنه يخص الدول بشكل متزايد.
السؤال المفتوح
السؤال غير المحسوم هو ما الذي يحدث عندما تتبنى الاتصالات الرسمية عادات ثقافة المنصات بصورة كاملة. هل يؤدي ذلك إلى وصول أفضل إلى المعلومات، أم يشجع المواطنين على التعامل مع الحوكمة بوصفها مجرى محتوى شخصيًا آخر؟ هل يعزز الظهور الديمقراطي، أم يضيق المجال العام إلى خلاصات منسقة وتفاعلات ذات علامة تجارية؟
المادة المصدر لا تجيب عن هذه الأسئلة، لكنها تجعل تجاهلها أصعب. فالتطبيق الذي يقدّم نفسه بوصفه خطًا مدنيًا مباشرًا بينما يوجّه المستخدمين عبر روايات انتقائية وإشارات سياسية شخصية يكشف مدى هشاشة الحدود بين المعلومات العامة والمنتج السياسي.
ولهذا يهم تطبيق البيت الأبيض بوصفه قصة ثقافية. فهو ليس مجرد تطبيق حكومي غريب. بل هو دليل على أن تحويل السياسة إلى نموذج المنصة يدخل مرحلة جديدة، مرحلة لا تكتفي فيها المؤسسات بالعيش داخل أنظمة رقمية صنعها الآخرون. بل تحاول بشكل متزايد بناء أنظمتها الخاصة.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Engadget. اقرأ المقال الأصلي.


