بيانات Webb العامة تكشف نافذة أخرى محتملة على الكون الفتي
يواصل الفلكيون العثور على قيمة علمية جديدة في الأرشيف العام المتنامي للرصدات الصادرة عن تلسكوب جيمس ويب الفضائي، ويعد مرشح القوس الجاذبي الذي أُعلن عنه حديثًا أحدث مثال على ذلك. وبالعمل مع بيانات أرشيفية من كاميرا الأشعة تحت الحمراء القريبة الخاصة بويب، حدد عالم الفيزياء الفلكية Homer Dávila Gutierrez جسمًا مرشحًا داخل عنقود المجرات MACS J0308.9+2645 قد يمثل مجرة بعيدة من الكون المبكر، جرى تكبير ضوئها وتشويهه بواسطة عدسة الجاذبية.
ويضيف هذا الاكتشاف أهمية علمية إلى مجال معروف أصلًا بإظهار كيف يمكن للبنى الضخمة في المقدمة أن تكشف أجسامًا أبعد بكثير. وكان MACS J0308.9+2645 قد أُقر من قبل بوصفه هدفًا غنيًا لأن مجاله الجاذبي ينحني ويضخم ضوء المجرات الواقعة على مسافات أبعد بكثير. ويمكن لمصادر الخلفية تلك أن تظهر على هيئة أقواس ممدودة ومنحنية، ما يمنح الباحثين وسيلة لرصد أجسام كانت ستظل خافتة جدًا بحيث يصعب دراستها.
في هذه الحالة، ظهر القوس المرشح، المسمى A1، من خلال بحث واسع في الرصدات العامة بدلًا من حملة تلسكوبية جرى التخطيط لها حديثًا. وهذه التفصيلة مهمة، إذ تُظهر كيف باتت المراصد الكبرى تولد اكتشافات تمتد آثارها طويلًا بعد نشر الصور الأولى، بينما يواصل الباحثون تنقيب مجموعات البيانات عالية الجودة عن أنماط فاتت المرة الأولى.
لماذا تهم الأقواس الجاذبية
عدسة الجاذبية هي أحد أكثر النتائج فائدة للنسبية العامة في علم الفلك الرصدي. فالأجسام الضخمة تقوّس الزمكان، والضوء المار عبر تلك المنطقة المقوسة يتبع التشوه الناتج عنها. وعمليًا، يعني ذلك أن عنقود مجري في المقدمة يمكن أن يعمل كعدسة كونية طبيعية، فيزيد سطوع مصدر خلفي ويعيد تشكيل مظهره.
بالنسبة إلى الفلكيين الذين يحاولون دراسة الكون المبكر، فإن هذا التأثير لا يقدر بثمن. فالمجرات البعيدة جدًا تكون خافتة وصغيرة وغالبًا ما يصعب فصلها عن الضجيج المحيط. ويمكن لعدسة قوية أن تكبرها بما يكفي لتصبح مرئية، مع إنتاج أشكال مميزة تساعد على تمييزها لمزيد من التحليل.
ويُعرف MACS J0308.9+2645 بالفعل بأنه أحد هذه البيئات المنتجة لعدسات الجاذبية. فقد كشفت رصودات سابقة من هابل ثم ويب عن عدة عدسات جاذبية في هذا المجال، بما في ذلك مجرات بعيدة تعود إلى فترة كان عمر الكون فيها نحو مليار سنة فقط. ويشير المرشح الجديد إلى أن العنقود قد لا يزال يحتفظ بمصادر إضافية لم يُلتفت إليها.
ما الذي جعل A1 يبرز في الأرشيف
وفقًا للتقرير، فحص Gutierrez 54 مجالًا عامًا من JWST/NIRCam وقيم 1,591 مرشحًا محتملًا. ومن تلك المجموعة الكبيرة، لم يُعتبر سوى A1 مرشحًا قويًا لقوس جاذبي. وهذا المعدل المرتفع للاستبعاد جزء مما يمنح النتيجة وزنها. فلم يظهر الجسم من مسح بصري عابر، بل من عملية قارنت بين احتمالات كثيرة وضيقت النطاق إلى حالة واحدة مقنعة على نحو خاص.
ويقال إن المرشح أظهر ذلك النوع من البنية الممدودة والمنحنية المتوقع من مصدر خاضع لعدسة. ويسلط التقرير الضوء على سمة محددة: استطالة شديدة، بنسبة محاور تقارب 6.5، ومتناسقة مماسيا بطريقة تتفق مع هندسة العدسة. وبعبارة أخرى، فإن شكل الجسم ليس مجرد شكل غير مألوف. فمورفولوجيته تبدو متوافقة مع ما يتوقعه الفلكيون إذا كان الضوء يُمدد بفعل توزيع الكتلة في العنقود الأمامي.
لكن هذا لا يجعل A1 بعدُ مجرة مؤكدة من الكون المبكر. فالوصف الحالي حريص على تسميته مرشحًا. ومع ذلك، فإن صفة المرشح ليست أمرًا ثانويًا. ففي علم الفلك، ولا سيما عند التعامل مع مصادر بعيدة وخافتة، غالبًا ما يكون تحديد المرشحين هو الخطوة الأولى الضرورية قبل العمل التفصيلي اللاحق والنمذجة والتأكيد.
أهمية العثور على مرشح قوي واحد من بين كثيرين
من الجوانب الأكثر إثارة في التقرير ما هو منهجي أكثر من كونه بصريًا. فقد شمل البحث العديد من الحقول العامة ومجموعة كبيرة جدًا من الاحتمالات، ومع ذلك لم يُعتبر قويًا سوى جسم واحد. وهذا يوحي بأمرين في آن واحد.
أولًا، قد تكون مرشحات العدسات القوية حقًا نادرة حتى في بيانات Webb القوية. فالتلسكوب قادر على إظهار تفاصيل استثنائية، لكن ليس كل مصدر ممدود يمثل قوسًا ذا معنى. وما يزال الفرز الدقيق مهمًا. ثانيًا، تبقى البيانات العامة أرضًا خصبة للتحليل الهادئ والموجّه. فالاكتشافات الكبرى لا تعتمد دائمًا على الوصول الحصري أو على رصدات جديدة تمامًا. بل يمكنها بصورة متزايدة أن تنشأ من طرح أسئلة أدق على مجموعات البيانات الموجودة أصلًا.
هذا التحول يساعد على إعادة تشكيل طريقة ممارسة علم الفلك. فأرشيفات المراصد العامة تتحول إلى منصات بحثية بحد ذاتها، لا مجرد سجلات لبعثات منتهية. ويمكن لعالم يمتلك الأدوات المناسبة والإصرار أن يعود إلى مجال معروف ويخرج بنتيجة جديدة توسع قيمة الرصد الأصلي.
ماذا يقول هذا عن دور Webb في مرحلة ما بعد هابل
غالبًا ما يُلخص تأثير Webb في صور أوضح وحساسية أعمق في نطاق الأشعة تحت الحمراء، لكن القصة الأكبر تتعلق بمدى الاتساع العلمي. فالتلسكوب يوسع مساحة البحث العملية لدراسات الكون المبكر عبر جعل البنى الخافتة والبعيدة أسهل في الاكتشاف والقياس. وعندما تقترن تلك القدرات بعدسة الجاذبية، تكون النتيجة وسيلة قوية على نحو خاص لاستقصاء عصور يصعب الوصول إليها بغير ذلك.
كما يؤكد التقرير على الاستمرارية بين المراصد الفضائية بدلًا من مجرد الاستبدال. فقد ساعد هابل أولًا في ترسيخ أهمية هذا المجال. ثم عمّق Webb هذه الرؤية بفضل أدواته المحسنة وجعل اكتشافات جديدة ممكنة. والعلاقة تراكمية: فمعرفة الدراسات الأقدم ترشد إلى أين ننظر، بينما تحسن القدرات الأحدث ما يمكن العثور عليه.
ما الذي يأتي بعد ذلك
السؤال العلمي الفوري هو ما إذا كان يمكن تأكيد A1 بوصفه مصدرًا حقيقيًا خاضعًا لعدسة من الكون المبكر. وسيتطلب ذلك تحليلًا إضافيًا يتجاوز التعريف الأولي الموصوف في التقرير. ومع ذلك، يحمل المرشح قيمة بالفعل بوصفه إشارة إلى أن حقول العناقيد المدروسة جيدًا قد لا تزال تحتوي على بنى خفية إضافية.
وبصورة أوسع، يشير هذا الاكتشاف إلى نمط يزداد أهمية في علم الفلك الحديث. فحقبة المراصد الرائدة هي أيضًا حقبة علم الأرشيف. ويتضافر الوصول العام والتصوير عالي الدقة وإعادة التحليل المنهجية لإنتاج اكتشافات بعد وقت طويل من مرور الدورة الأولى للنشر.
إذا تأكد A1، فسيعزز ذلك الحجة القائلة إن MACS J0308.9+2645 ما يزال مختبرًا عدسيًا منتجًا لدراسة الكون الفتي. وحتى قبل التأكيد، تُظهر النتيجة أن أرشيف Webb ليس ثابتًا. إنه جبهة نشطة، ولا يزال الباحثون يتعلمون كمًا من المعلومات ينتظر داخله.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com

