يبدأ اختبار الأحياء للفضاء العميق بحيوانات لا يتجاوز طولها 1 مليمتر

يمثل الاستكشاف طويل الأمد خارج مدار الأرض المنخفض مشكلة مألوفة لكنها لم تُحل بعد: يتغير جسم الإنسان بطرق خطيرة عندما يغادر البيئة الواقية للأرض. فقدان العضلات والعظام، وانتقال السوائل الذي قد يؤثر في الرؤية، والتعرض للإشعاع، كلها تهدد جدوى المهام المستمرة إلى القمر وما بعده. ويحاول اختبار جديد متجه إلى محطة الفضاء الدولية إلقاء الضوء على هذه المخاطر من خلال دراسة كائن أصغر بكثير لكنه يشترك معنا في سمات بيولوجية مهمة: الدودة الخيطية C. elegans.

تذكر Universe Today أن مجموعة من هذه الديدان المجهرية أُطلقت إلى محطة الفضاء الدولية في 11 أبريل على متن مهمة الإمداد CRS-24 التابعة لناسا وNorthrop Grumman، وذلك ضمن مشروع Fluorescent Deep Space Petri-Pods، أو FDSPP. ويقود الجهد جامعة إكستر، وتولى جامعة ليستر تصميمه الهندسي، ودمجته Voyager Space Technologies، وموّلته وكالة الفضاء البريطانية. إنه اختبار مدمج بطموح كبير: إظهار كيف تستجيب الأنظمة الحية عند تعرضها للضغط المشترك المتمثل في الجاذبية الصغرى والإشعاع الكوني الشديد.

السبب الذي يجعل العلماء يعودون باستمرار إلى C. elegans عملي. فرغم صغر حجم هذه الديدان، فإنها تشترك مع البشر في قدر مدهش من البيولوجيا، وهي مستخدمة بالفعل على نطاق واسع في الأبحاث الطبية على الأرض. وهذا يجعلها نموذجًا مفيدًا للأسئلة المبكرة حول كيفية تكيف الكائنات الحية، أو فشلها في التكيف، خارج الغلاف الواقي للأرض.

الأجهزة صغيرة، لكن البيئة ستكون قاسية

الأجهزة الأساسية للتجربة هي نظام دعم حياة مصغّر صُمم خصيصًا ويُسمى Petri Pod. يبلغ قياس كل وحدة 10 × 10 × 30 سنتيمترًا، ويزن نحو 3 كيلوغرامات، ويحتوي على 12 حجرة تجريبية. تحافظ هذه الحجرات على الضغط ودرجة الحرارة وحجمٍ محبوس من الهواء القابل للتنفس للديدان، بينما يوفر حامل من الآغار الغذاء.

وتبرز الصعوبة الهندسية لأن المشروع لا يكتفي بإرسال كائنات حية إلى المدار وإعادتها. فبعد فترة أولية على متن محطة الفضاء الدولية، من المقرر أن تُنقل Petri Pods بواسطة ذراع روبوتية إلى الهيكل الخارجي للمحطة، حيث ستبقى لمدة 15 أسبوعًا. وخارج المحطة ستواجه الديدان بيئة أشد قسوة، تجمع بين الجاذبية الصغرى والتعرض المستمر للإشعاع، وهو ما يتصل بظروف الفضاء العميق بدرجة أكبر من أي تجربة تُترك بالكامل داخل الجزء المضغوط من المحطة.

هذا الوضع الخارجي هو ما يمنح المشروع جزءًا كبيرًا من قيمته. فغالبًا ما تُستخدم محطة الفضاء الدولية كنقطة انطلاق لفهم كيفية تصرف الحياة في المدار، لكن ليست كل البيئات المدارية متشابهة. فالحمل الموضوع خارج المحطة يتعرض لشكل أكثر مباشرة من الضغط البيئي، وصُممت هذه التجربة لالتقاط الاستجابات البيولوجية تحت هذه الظروف تحديدًا.

سيراقب الباحثون إشارات بيولوجية متوهجة

لا يكتفي FDSPP بتعريض الديدان لظروف قاسية ثم الانتظار حتى النهاية لمعرفة ما حدث. إذ تتضمن Petri Pods أربع حجرات مجهزة بكاميرات مصغرة ستلتقط صورًا ثابتة بالضوء الأبيض وتصويرًا متتابعًا زمنياً. والأهم من ذلك، أن التجربة ستتتبع الاستجابات البيولوجية للديدان باستخدام إشارات فلورية.

وتُعد الفلورية عنصرًا أساسيًا في التصميم لأنها تكشف كيف تتفاعل الأنظمة البيولوجية مع مرور الوقت. وبدل الاعتماد فقط على التحليل بعد العودة، يمكن للباحثين مراقبة التغيرات عن بُعد أثناء سير التجربة. والنتيجة أقرب إلى مختبر بيولوجيا فضائية صغير ومستقل منه إلى حاوية عينات سلبية.

وتنقل Universe Today عن البروفيسور مارك سيمز من جامعة ليستر، مدير المشروع، أنه وصف الجهاز بأنه مثير للاهتمام ومليء بالتحديات من حيث التصميم والبناء. وهذا الوصف يلائم المهمة جيدًا. فالنظام يجب أن يحافظ على الحياة ويجمع البيانات وينجو من بيئة معادية، وكل ذلك ضمن حزمة شديدة التقييد. وغالبًا ما تعتمد البيولوجيا الفضائية على هذا النوع من الانضغاط الهندسي: تصغير وظائف المختبر إلى شيء يمكن إطلاقه وتشغيله عن بُعد والثقة في أنه سيقدم بيانات مفيدة بعد أشهر في المدار.

لماذا تهم الديدان لرواد الفضاء المستقبليين

للوهلة الأولى، قد يبدو إرسال ديدان إلى الفضاء مجرد أمر طريف. لكن عمليًا، يعكس ذلك منطقًا بحثيًا مألوفًا. فاستكشاف البشر يتطلب فهمًا بيولوجيًا، وعادةً ما يبدأ هذا الفهم بكائنات أبسط يمكنها إظهار أنماط عامة من الاستجابة للضغط والتكيف والضرر. ولأن C. elegans تشترك مع البشر في مسارات بيولوجية مهمة، فإنها توفر نموذجًا عمليًا للتحقيق في كيفية استجابة الأنسجة الحية خارج الحماية الطبيعية للأرض.

كما أن التجربة تتوافق جيدًا مع المهمات المستقبلية التي تسعى ضمنيًا إلى دعمها. فالحياة على المدى الطويل على القمر، كما تشير Universe Today، تعني التعامل مع بيئة ضارة بدلًا من مجرد زيارة الفضاء لفترة قصيرة. وكلما ابتعد البشر عن الأرض، ازدادت الحاجة إلى فهم كيفية تغير الأجسام في الجاذبية المنخفضة ومع التعرض المزمن للإشعاع. وإذا تمكن الباحثون من تحديد الآليات البيولوجية المعنية، فقد يكونون في وضع أفضل لتطوير تدابير مضادة لرواد الفضاء.

مهمة FDSPP لا تعد بتلك التدابير المضادة بمفردها. لكنها تقدم رؤية أوضح للمشكلة. وهذا مهم لأن الاستيطان في الفضاء العميق لا يزال مقيدًا بالبيولوجيا بقدر ما هو مقيد بالصواريخ والمساكن الفضائية. وقد يبدو مخطط المهمة مقنعًا على الورق، لكن إذا لم يحتمل جسم الإنسان البيئة لمدة كافية، فسيبقى المخطط غير مكتمل.

مهمة متواضعة بأهمية تفوق حجمها

غالبًا ما تركز قصص الاستكشاف الفضائي على مركبات الإطلاق والمركبات الهابطة والجداول الزمنية للطاقم. وتسلط مهمة الديدان على متن CRS-24 الضوء على واقع أكثر هدوءًا: إن التقدم نحو الاستكشاف طويل الأمد للفضاء العميق يعتمد أيضًا على تجارب بيولوجية منضبطة ومحددة للغاية. فـPetri Pods صغيرة، والكائنات بداخلها أصغر منها بكثير، ومع ذلك فإن الأسئلة المطلوب منها المساعدة في الإجابة عنها من بين أكبر الأسئلة في رحلات الفضاء البشرية.

كيف تتعامل الأنظمة الحية مع التعرض الطويل لظروف شبيهة بالفضاء العميق؟ ما أول شيء ينهار؟ ما الذي يتكيف؟ وما إشارات التحذير التي تظهر مبكرًا بما يكفي لتكون مهمة؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي يحاول فريق FDSPP الاقتراب منها بوضع C. elegans خارج محطة الفضاء الدولية ومراقبة استجاباتها الفلورية وهي تتكشف.

إذا انتهى الأمر بمستكشفي القمر في المستقبل إلى الاستفادة من تدابير أفضل ضد أضرار الإشعاع أو الجاذبية الصغرى، فقد يمكن تتبع بعض هذا التقدم إلى هذه الركاب الصغار. فالديدان ليست الوجهة النهائية، بل هي أداة لفهم ما سيحتاجه البشر للبقاء عندما لا تعود الأرض قريبة بما يكفي لحمايتهم.

يعتمد هذا المقال على تغطية Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.