مهمة مغناطيسية تكشف حركة عميقة تحت السطح

يُعد المجال المغناطيسي للأرض إحدى تلك السمات الكوكبية التي تبدو ثابتة إلى أن يُظهر التدقيق القريب مدى ديناميكيتها الحقيقية. أُطلقت مهمة Swarm التابعة لـESA، والمكوّنة من ثلاثة أقمار صناعية، عام 2013 لقياس التغيرات في المجال المغناطيسي بدقة عالية، وهي تساعد العلماء الآن على تتبّع أمر لافت بعيدًا جدًا تحت المحيط الهادئ: انقلاب واسع النطاق في حركة المادة المنصهرة داخل اللب الخارجي للأرض. ووفقًا للتقرير، كانت المادة في تلك المنطقة تتحرك ببطء نحو الغرب، لكنها غيّرت اتجاهها نحو عام 2010. وهي الآن تتجه شرقًا وتزداد سرعتها.

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها لأن المجال المغناطيسي يتولد إلى حد كبير من الحركة المضطربة في اللب الخارجي السائل الغني بالحديد في الأرض. ومع حركة المادة الموصلة للكهرباء، تتولد تيارات كهربائية والمجال الكهرومغناطيسي المتغير الذي يحمي الكوكب ويشكّل كثيرًا من العمليات الجيوفيزيائية. لذلك فإن أي تغير ملحوظ في دوران تلك الطبقة العميقة هو أكثر من مجرد فضول علمي. فقد يفتح نافذة على الآليات الخفية لداخل الأرض وعلى العمليات التي تحافظ على الجيودينامو.

لماذا يهتم العلماء بانعكاس التدفق

يقع اللب الخارجي على عمق يقارب 2200 كيلومتر تحت منطقة المحيط الهادئ المشار إليها في التقرير. ولا يمكن رصده مباشرة، لذا يعتمد الباحثون على أدلة غير مباشرة من القياسات المغناطيسية وبيانات الأقمار الصناعية والأجهزة الأرضية. وتُعد Swarm مفيدة بشكل خاص لأنها توفر رصداً عالمياً متكرراً ودقيقًا بما يكفي لتتبّع التغيرات الدقيقة في المجال مع مرور الوقت.

ويثير انقلاب في تدفق واسع النطاق أسئلة فورية. هل هو تقلب قصير الأمد؟ أم جزء من تذبذب أطول؟ أم علامة على تكوين مستقر جديد داخل اللب الخارجي؟ ليست هذه فروقًا بسيطة. فالجواب يؤثر في كيفية تفكير العلماء في المحرك العميق الذي يدفع مغناطيسية الأرض، وفي مدى قابلية سلوكه للتنبؤ خلال العقود المقبلة.

الدراسة المشار إليها في التقرير لا تدّعي حتى الآن تقديم تفسير كامل. بل تبرز الملاحظة وما يترتب عليها. وغالبًا ما يكون هذا هو مسار التقدم في علم أعماق الأرض. يبدأ الأمر بالإقرار بأن شيئًا غير متوقع قد حدث. وبعد ذلك فقط يمكن اختبار النماذج المتنافسة مقابل البيانات المتراكمة.

تكمن قيمة Swarm في الرصد طويل الأمد

صُممت Swarm تحديدًا لهذا النوع من العمل الاستقصائي. تحدد الأقمار الثلاثة التغيرات في المجال المغناطيسي وتقيسها من المدار، ما يساعد على فصل المساهمات القادمة من اللب والقشرة والمحيطات والأيونوسفير والغلاف المغناطيسي. وفي هذه الحالة، تُدمج تلك البيانات مع معلومات من مهمة CryoSat التابعة لـESA وقياسات أرضية لبناء صورة أوضح لسلوك اللب.

كلما طال السجل، ازدادت فائدته. وغالبًا ما يتحرك اللب الخارجي للأرض وفق أنماط طويلة الأمد قد تستمر لعقود، لكن التغيرات العرضية تعقّد هذه الصورة. ولن تكشف لقطة واحدة الكثير. أما الرصد المستمر على مدى سنوات فيمكنه أن يوضح ما إذا كان الشذوذ الظاهر حقيقيًا، وما إذا كان يتسارع، وما إذا كان يرتبط بتغيرات أخرى في المجال المغناطيسي.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل كوكبات الأقمار الصناعية مهمة في علوم الكواكب. فهي لا تلتقط صورًا مثيرة فحسب، بل تنشئ أنظمة قياس مستمرة تسمح للعلماء بمراقبة عمليات كانت ستبقى مخفية لولا ذلك. وفي حالة الأرض، يشمل ذلك دوران الحديد السائل على أعماق آلاف الكيلومترات تحت أي مستوى يمكن لحفر أن يبلغه.

ما الذي يوحي به الاكتشاف عن داخل الأرض

يطرح التقرير هذا الانقلاب بوصفه تحديًا للفهم الحالي. يعرف العلماء أن المجال المغناطيسي يتولد عبر فعل مضطرب في اللب الخارجي، لكنهم ما زالوا لا يفهمون تمامًا كيف ترتبط التغيرات هناك بالسلوك الأوسع في أعماق الكوكب أو كيف تؤثر تلك التغيرات في مولد المجال المغناطيسي نفسه. ويجعل التغير الجديد في اتجاه التدفق تحت المحيط الهادئ هذه الأسئلة أكثر حدة.

وصف المؤلف الرئيسي Frederik Dahl Madsen هذا الانقلاب بأنه يثير أسئلة جديدة حول سلوك باطن الأرض العميق، وشدد على الحاجة إلى مواصلة المراقبة. وهذا التأكيد مهم. فالأنظمة العميقة في الأرض لا تكشف منطقها بسرعة. يتطور اللب على مقاييس زمنية قد تتجاوز حياة الباحث المهنية، وأي انتقال غير مألوف يتطلب رصدًا صبورًا قبل أن يتمكن العلماء من الحكم على ما إذا كان مجرد ضجيج أو دورة أو تغيرًا بنيويًا.

ومع ذلك، فإن مجرد القدرة على رصد هذا الانقلاب أمر مثير للإعجاب. فالمجال المغناطيسي المقاس عند سطح الأرض أو فوقه يحمل معلومات مشفرة عن حركة المعدن المنصهر في الأعماق. ويتطلب استخراج هذه المعلومات نمذجة دقيقة ورصدا متكررا، لكن عندما ينجح الأمر فإنه يحول السلوك المغناطيسي للكوكب فعليًا إلى مسبار للحركة الداخلية.

لماذا تهم قصة المجال المغناطيسي على السطح

من السهل النظر إلى أبحاث اللب الخارجي بوصفها جيولوجيا فيزيائية مجردة، لكن الرهانات أوسع من ذلك. يساعد المجال المغناطيسي للأرض على حماية الكوكب من الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس، ويلعب دورًا في بيئة الطقس الفضائي التي تؤثر في الأقمار الصناعية والاتصالات وأنظمة الطاقة. لذا فإن فهم كيفية تغير المجال بمرور الوقت مهم تشغيليًا وعلميًا.

لا تتحول أي ملاحظة منفردة من Swarm مباشرة إلى خطر عام على المدى القريب. لكن الفهم الأفضل للعمليات التي تشكل المجال المغناطيسي يحسن الفهم طويل المدى لكيفية تصرف الكوكب. كما يساعد في تحسين النماذج التي يستخدمها العلماء لفصل التغيرات الناتجة عن اللب عن الإشارات المتولدة من القشرة والمحيطات وبيئة الفضاء القريبة من الأرض.

والدرس الأكبر هو أن الأرض ما تزال كوكبًا نشطًا، مع عمليات كبرى تجري بعيدًا جدًا عن متناولنا المباشر. فاللب الخارجي ليس ساكنًا. إنه محيط مضطرب من الحديد شديد السخونة والموصل للكهرباء، وتشكل حركته الشرنقة المغناطيسية المحيطة بالعالم فوقه. وبفضل Swarm، يستطيع الباحثون الآن رؤية دليل على أن جزءًا من ذلك المحيط غيّر مساره وتسارع في الاتجاه المعاكس.

وهذا لا يحل ألغاز الجيودينامو، لكنه يجعلها أكثر وضوحًا. لم يعد الانقلاب الخفي في تدفق أعماق الأرض احتمالًا نظريًا فحسب. إنه حدث مُلاحظ، وستحدد السنوات المقبلة ما إذا كان يمثل تقلبًا أم إيقاعًا أم بداية نمط جديد داخل الكوكب.

  • رصدت أقمار ESA Swarm انقلابًا في تدفق اللب الخارجي تحت المحيط الهادئ.
  • غيّرت المادة المنصهرة اتجاهها نحو عام 2010، وهي الآن تتحرك شرقًا بسرعة أكبر.
  • يستخدم العلماء بيانات الأقمار الصناعية والبيانات الأرضية لتحديد ما إذا كان هذا مجرد تقلب أم تحولًا أطول أمدًا.

هذا المقال يستند إلى تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on universetoday.com