قد يكون للغز قديم حول مجرتنا جواب عنيف

تبدو بنية درب التبانة مألوفة من بعيد: قرص حلزوني ساطع مملوء بالنجوم والغاز والغبار. لكن كلما نظر الفلكيون عن قرب أكثر، كشفت المجرة عن تاريخ طبقي ومضطرب. ومن الألغاز القديمة لماذا تمتلك درب التبانة بنية قرصية مزدوجة تتصرفان بشكل مختلف إلى هذا الحد. فالقرص الرقيق يحتوي على معظم النجوم الأصغر سنًا ويدور بالطريقة المنتظمة التي اعتاد الناس ربطها بالمجرات الحلزونية. أما القرص السميك، الذي يضم نجومًا أقدم، فيدور أبطأ بكثير. وتشير دراسة جديدة عُرضت في الاجتماع الوطني لعلم الفلك التابع للجمعية الفلكية الملكية في برمنغهام إلى أن انقلابًا كونيًا قديمًا قد يفسر السبب.

وبحسب التقرير المقدم، قاد العمل كيريل باتراكوف من جامعة دورهام، واستخدم محاكاة Auriga، وهي مجموعة من المحاكاة الكونية المكبرة المصممة لدراسة كيفية تشكل المجرات. هذه المحاكاة تنمذج نمو المجرات منذ وقت قصير بعد الانفجار العظيم، مع أخذ عناصر أساسية مثل الجاذبية والمادة المظلمة والثقوب السوداء والمستعرات العظمى في الاعتبار. ومن خلال مقارنة مسارات تطور محتملة، خلص الباحثون إلى أن اندماجًا كبيرًا في الماضي ربما قلب اتجاه قرص درب التبانة قبل مليارات السنين، تاركًا وراءه أنماط الدوران غير المتطابقة التي يرصدها الفلكيون اليوم.

وتبرز هذه النتيجة لأنها تربط خاصية بنيوية غريبة في الحاضر بتاريخ اندماجات درب التبانة، وهي إحدى الطرق الرئيسية التي تنمو بها المجرات وتتغير عبر الزمن الكوني. ويعرف الفلكيون بالفعل أن المجرات تندمج وتتفاعل كثيرًا. وتُظهر الملاحظات عبر الكون أمثلة في مراحل عديدة، من اللقاءات القريبة إلى الابتلاع الكامل. وتحمل درب التبانة نفسها آثار هذا التاريخ. ومع ذلك، وحتى مع المسوح المتزايدة الدقة، يظل تحويل تلك الآثار إلى خط زمني متماسك أمرًا صعبًا. وتكتسب أبحاث كهذه أهميتها لأن مجرتنا معقدة ويمكن دراستها بشكل غير معتاد: فنحن نعيش داخلها، ما يجعل رؤيتها ككل أصعب، لكنه يسهل دراستها بتفاصيل دقيقة.

ما الذي كشفه غايا عن قرصي درب التبانة

تبلورت النسخة الحديثة من هذا اللغز مع بيانات مهمة غايا التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، التي رصدت مليارات النجوم في درب التبانة. وقد أظهر غايا أن القرص السميك يدور أبطأ بكثير من القرص الرقيق. وهذا أمر مفاجئ لأن كلا المكونين جزء من المجرة نفسها، ومع ذلك يحتفظان بسلوك مداري مختلف جدًا. ويصف النص الأصلي القرص السميك بأنه يحتوي على نجوم أقدم فقيرة بالمعادن تتبع مدارات أكثر لا مركزية وفوضوية، بينما يحتوي القرص الرقيق على نجوم أحدث ويشكل البنية الحلزونية المعروفة.

وقد ألمحت هذه الفروق منذ زمن طويل إلى أصل مرتبط بالاندماجات. وغالبًا ما تُفسَّر نجوم القرص السميك بوصفها دليلًا على تفاعلات قديمة مع مجرات أخرى، بما في ذلك نجوم تشكلت في أماكن أخرى ثم امتصتها درب التبانة لاحقًا. لكن تفسير الكيفية الدقيقة التي حوّلت بها تلك الاندماجات نمط الدوران الحالي كان أصعب. فالقرص السميك الأبطأ دورانًا ليس مجرد تفصيل تجميلي، بل هو دليل على كيفية استقرار المجرة واضطرابها وإعادة تنظيم نفسها على مدى مليارات السنين.

ويتمثل التفسير الجديد القائم على المحاكاة في أن اندماجًا كبيرًا لم يضف نجومًا فحسب، بل ربما أعاد توجيه القرص المجري نفسه. وفي هذا السيناريو، كانت المجرة القادمة أو حدث الاندماج قويًا بما يكفي لتغيير اصطفاف بنية درب التبانة، ما أدى عمليًا إلى قلب القرص بالنسبة إلى السكان النجميين الأقدم. ثم تشكل القرص الرقيق الأصغر سنًا، أو أعيد تشكيله، في الاتجاه الجديد، بينما احتفظ القرص السميك الأقدم بأدلة على التكوين السابق وعلى الانتقال العنيف بين الحالتين.

لماذا تهم المحاكاة هنا

لأن الفلكيين لا يستطيعون إجراء تجارب على المجرات، تُعد المحاكاة واحدة من الطرق القليلة لاختبار ما إذا كان تاريخ مقترح قادرًا واقعيًا على إنتاج البنى المرصودة اليوم. وتُعد مجموعة Auriga مفيدة بشكل خاص لهذا النوع من المشكلات لأنها تتتبع تشكل المجرات عبر فترات طويلة من الزمن الكوني، وتتضمن عدة عمليات فيزيائية تشكل تطور المجرات. وهذا لا يجعل أي محاكاة منفردة إعادة تشغيل مباشرة لماضي درب التبانة. لكنه يوفر مجموعة من المسارات المحتملة المبنية على الفيزياء، يمكن مقارنتها بالملاحظة.

وفي هذه الحالة، تكمن جاذبية العمل الجديد في أنه يربط حقيقة مرصودة محددة، وهي الدوران البطيء للقرص السميك، بنوع محدد من الأحداث الماضية، وهو اندماج كبير غيّر اتجاه المجرة. كما أن التفسير اقتصادي من الناحية المفهومية. فبدلًا من التعامل مع القرصين الرقيق والسميك بوصفهما مكونين يرتبطان فقط ارتباطًا فضفاضًا، فإنه يصورهما كسجلين لمرحلتين مختلفتين من المجرة نفسها قبل إعادة تنظيم مضطربة وبعدها.

وتنسجم هذه الفكرة مع اتجاه أوسع في علم الفلك، حيث يُفهم درب التبانة بصورة متزايدة لا كحلزون هادئ يتطور بثبات، بل كنظام تشكله التفاعلات المتكررة. فهالة المجرة والتيارات النجمية والسكان المختلفون كيميائيًا تروي بالفعل قصة تشكل عبر التراكم. وسيضيف قلب القرص فصلًا دراميًا آخر، يفسر لماذا تتحرك بعض أقدم نجوم المجرة بطرق تبدو غير منسجمة مع القرص المنتظم المرئي اليوم.

لتاريخ أفضل لمجرتنا قيمة أوسع

أحد أسباب لفت هذا البحث الانتباه هو أن درب التبانة تمثل منصة اختبار أساسية لتشكل المجرات على نطاق أوسع. وتقتبس المصدر المقدم باتراكوف قائلًا إننا نعيش داخل درب التبانة، لذا يستطيع الفلكيون دراستها بتفصيل أكبر من أي مجرة أخرى، ما يجعلها مركزية لفهم أوسع. وهذه هي الأهمية الحقيقية لحل ألغاز مثل مشكلة القرصين. فالجواب لا يتعلق فقط بعلم آثار المجرات محليًا، بل يؤثر أيضًا في كيفية تفسير العلماء للمجرات الحلزونية في أماكن أخرى.

إذا كانت الاندماجات قادرة على قلب الأقراص وترك بصمات حركية طويلة الأمد، فقد يتمكن الفلكيون من البحث عن أنماط مماثلة في أنظمة أخرى. وقد يحسن ذلك إعادة بناء متى ابتلعت المجرات رفقاءها، ومدى سرعة إعادة بناء الأقراص المنظمة بعد ذلك، ومدى شيوع هذه الانعطافات العنيفة حقًا. كما قد يوضح دور الاندماجات في تشكيل التجمعات النجمية وتدرجات المعدن وبنية الهالة.

حتى الآن، يظل العمل الجديد تفسيرًا قائمًا على المحاكاة عُرض في اجتماع فلكي كبير، وليس الكلمة النهائية عن تاريخ درب التبانة. لكنه يقدم إطارًا مقنعًا لمشكلة عنيدة. فقد بدا القرص السميك للمجرة طويلًا كأرشيف لاضطراب قديم. ويشير التحليل الجديد إلى أن ذلك الاضطراب ربما كان أعمق مما كان يُعتقد سابقًا: لم يكن مجرد تصادم حرّك النجوم القديمة، بل حدثًا غيّر اتجاه المجرة نفسها.

وهذا جزء مما يجعل النتيجة لافتة إلى هذا الحد. فسماء الليل كثيرًا ما توحي بالثبات. لكن القصة الأعمق لدرب التبانة هي قصة اضطراب وتجمع وتعافٍ. وإذا صمد هذا التفسير، فقد تكون المجرة من حولنا قد قُلبت على جانبها ذات مرة بفعل اندماج قديم، ثم أعيد بناؤها لتصبح البيت الحلزوني الذي نعرفه اليوم.

هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on universetoday.com