مركبتان جوالتان، وزمنان مختلفان للمريخ

أنتجت مركبتا ناسا الجوالتان «كيوريوسيتي» و«بيرسيفيرانس» صورًا بانورامية جديدة بزاوية 360 درجة لا تقتصر على عرض مشاهد درامية. فمعًا، تبرز هذه الصور استراتيجية علمية أعمق: إذ إن المهمتين تقرآن المريخ، عمليًا، في اتجاهين زمنيّين متعاكسين، ما يملأ فصولًا مختلفة من التاريخ الجيولوجي والبيئي للكوكب.

تقول المادة التي وفرتها ناسا إن المركبتين تفصل بينهما 2,345 ميلًا، أو 3,775 كيلومترًا، وهو تقريبًا المسافة بين لوس أنجلوس وواشنطن العاصمة. ومع هذا الفصل المادي، فإن نتائجهما مترابطة من الناحية المفاهيمية. كلاهما يستكشف تضاريس عمرها مليارات السنين. «كيوريوسيتي»، بعد ما يقرب من 15 عامًا في مهمتها، تصل إلى طبقات أحدث فأحدث عند سفوح جبل شارب داخل فوهة غيل. أما «بيرسيفيرانس»، وبعد نحو خمس سنوات من مهمتها، فتتقدم عبر بعض أقدم المناظر الطبيعية في النظام الشمسي بأكمله قرب فوهة جيزيرو.

هذا «السفر عبر الزمن في اتجاهين متعاكسين»، كما تصفه ناسا، هو ما يجعل الصور البانورامية الجديدة مهمة. فالمريخ لا يُدرَس كصحراء ثابتة، بل كأرشيف كوكبي. تحفظ المواقع المختلفة فترات وعمليات مختلفة، وتوفر هذه المركبات الجوالة وسيلة لمقارنتها على مستوى الأرض.

تُعد بانوراما «كيوريوسيتي» واحدة من أكبر الصور التي التقطتها المركبة على الإطلاق، وقد جرى تركيبها من 1,031 صورة التُقطت بين 9 نوفمبر و7 ديسمبر 2025. وبوضوح يبلغ 1.5 مليار بكسل، تقدم نظرة تفصيلية على منطقة تتميز بتكوينات شبكية صندوقية، وهي نتوءات منخفضة تشبه في صور المدارات شبكات عنكبوتية هائلة. ووفقًا لناسا، تشكلت هذه النتوءات عندما تدفقت المياه الجوفية عبر شقوق كبيرة في الصخر الأم، تاركة وراءها معادن أدت إلى تصلب الصخور على طول تلك الخطوط. ثم أزالت عوامل التعرية المناطق المحيطة الأكثر ليونة، لتبقى النتوءات الأكثر مقاومة مكشوفة.

وهذا مهم لأن المياه الجوفية محور أساسي في سؤال قابلية السكن. لطالما ركزت مهمة «كيوريوسيتي» على ما إذا كان المريخ قد امتلك يومًا ظروفًا قادرة على دعم الحياة. وتشير ناسا إلى أنه خلال عام من الهبوط في 2012، أكدت عينة حُفرت من قاع بحيرة قديمة أن مثل هذه الظروف كانت موجودة بالفعل، بما في ذلك الكيمياء الملائمة والمواد المغذية المحتملة للكائنات المجهرية. وتمتد منطقة الشبكات الصندوقية هذه القصة عبر الإشارة إلى تفاعلات لاحقة بين الصخور والمياه، ما يحفظ دلائل على كيفية حركة السوائل عبر باطن الأرض مع مرور الوقت.

أما بانوراما «بيرسيفيرانس» فقد بُنيت من 980 صورة التُقطت بين 18 ديسمبر 2025 و25 يناير 2026، وتركز على موقع يُلقب بـ«Lac de Charmes» خارج حافة فوهة جيزيرو. وتقول ناسا إن المشهد يلتقط حافة جيزيرو والصخور القديمة حول الفوهة، بينما تُظهر بانوراما أخرى من مكان يُسمى «Crocodile Bridge» منطقة تحتوي على بعض أقدم الصخور في النظام الشمسي.

هذا يمنح «بيرسيفيرانس» دورًا مختلفًا عن «كيوريوسيتي». فإذا كانت «كيوريوسيتي» قد كشفت أدلة على بيئة كانت صالحة للسكن وتتبع التغيرات في الظروف عبر الرسوبيات الطبقية، فإن «بيرسيفيرانس» تتوغل أكثر في التاريخ المبكر للكوكب. وقد اختيرت فوهة جيزيرو جزئيًا لأنها تحتفظ بأدلة على بحيرة ودلتا نهر قديمتين، ما يجعلها مكانًا قويًا للبحث عن علامات حياة ميكروبية سابقة وجمع عينات ربما تُعاد إلى الأرض.

لذلك فهذه البانورامات ليست مجرد سجلات بصرية. إنها تساعد العلماء على وضع المكاشف والشقوق والنتوءات ووحدات الصخور المحددة في سياق ميداني أوسع. وعلى المريخ، حيث تتحرك المركبات الجوالة ببطء ويكون كل قرار بالحفر أو أخذ العينات مكلفًا، يُعد رسم الخرائط البانورامية أداة علمية أساسية. فهو يوجه الحركة، ويساعد على تفسير الجيولوجيا على مقاييس متعددة، ويدعم القرارات بشأن الأهداف التي قد تحمل أهم الأدلة.

هناك أيضًا بعد جماهيري لهذه الصور الضخمة المجمعة. فالبانورامات تحول العمل الميداني البعيد إلى شيء يمكن لغير المتخصصين قراءته. وتُظهر أن المريخ ليس متجانسًا. فغال وجيزيرو يرويان قصتين مختلفتين عن الماء والرواسب والقشرة والزمن. إحدى المركبتين تصعد عبر طبقات تسجل التحولات البيئية. والأخرى تفحص تضاريس قديمة بما يكفي لإلقاء الضوء على أقدم تاريخ يمكن الوصول إليه للمريخ.

ويذكّر الإصدار الجديد من ناسا بأن تقدم علوم الكواكب غالبًا ما يحدث عبر التراكم لا عبر حدث واحد درامي. ولا توجد بانوراما واحدة تثبت أن الحياة وُجدت على المريخ. لكن هذه المناظر الطبيعية، مجتمعة، تكشف كيف يمكن لاستكشاف طويل الأمد ودقيق أن يوضح ماضي كوكب ما بتفاصيل متزايدة. فـ«كيوريوسيتي» و«بيرسيفيرانس» لا تقودان فقط عبر المريخ. إنهما تبنيان سجلًا تاريخيًا متصلًا لكيفية تطور عالم كان أكثر رطوبة في الماضي إلى الصحراء الباردة التي نراها اليوم.

هذه المقالة مبنية على تقرير ناسا. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on nasa.gov