تُعيد بيانات InSight تشكيل نظرة العلماء إلى المريخ
قد يكون المريخ قد احتضن أنظمة صهارية واسعة شبيهة بتلك الموجودة على الأرض تحت سطحه، حتى من دون تكتونية الصفائح، وذلك وفقًا لبحث جديد يستند إلى بيانات زلزالية من مسبار ناسا InSight الهابط. وتشير النتيجة إلى باطن أكثر ديناميكية مما يوحي به نموذج القشرة الساكنة البسيط، وقد تغيّر الطريقة التي يفكر بها العلماء في التطور الحراري والجيولوجي للكواكب الأرضية.
يركز العمل على إحدى أكثر الإشارات إثارة التي أرسلها InSight قبل انتهاء مهمته: انقطاع زلزالي داخل القشرة في قشرة المريخ. ويرى الباحثون الآن أن هذه السمة تمثل دليلًا على النشاط الصهاري داخل القشرة نفسها. وقد نُشرت ورقتهم في Nature Astronomy بعنوان Seismic evidence for a melt-depleted lower crust and transcrustal magmatism on Mars. والمؤلف الرئيسي هو الدكتور Tobermory Mackay-Champion، الذي كان يعمل في قسم علوم الأرض بجامعة أكسفورد وقت الدراسة.
وتكتسب النتيجة أهمية لأن المريخ يفتقر إلى تكتونية صفائح نشطة، وهي عملية على الأرض ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنشاط البركاني وإعادة تدوير القشرة والاستدامة الطويلة الأمد لقابلية الكواكب للسكن. وإذا كان المريخ قد حافظ على أنظمة صهارية داخلية كبيرة من دون هذه الآلية، فهذا يعزز الرأي القائل إن التعقيد الجيولوجي يمكن أن يظهر ضمن نطاق أوسع من الظروف الكوكبية مما كان يُفترض سابقًا.
قد لا يكون الكوكب ذو الغلاف الساكن بسيطًا جيولوجيًا
تكتونية الصفائح على الأرض تفعل أكثر من مجرد تحريك القارات. فهي تساعد على تنظيم درجة الحرارة على المقاييس الزمنية الجيولوجية عبر دورة الكربون-السيليكات، وتعيد تدوير عناصر غذائية مثل الفوسفور والكبريت، وتخلق بيئات متنوعة يمكن أن تدعم القدرة على الصمود في مواجهة الانقراضات الجماعية. ولهذا السبب تُعد التكتونية غالبًا عنصرًا محوريًا في النقاشات حول قابلية السكن.
لكن العلاقة ليست مطلقة. وما إذا كانت تكتونية الصفائح ضرورية بالمعنى الصارم للحياة لا يزال غير محسوم، ويقدّم المريخ أحد أفضل المختبرات الطبيعية لاختبار هذا السؤال. وإلى جانب عطارد والزهرة، يُعد المريخ كوكبًا ذا “غطاء ساكن”، أي إن غلافه الخارجي لا يتصرف مثل الصفائح التكتونية المتحركة على الأرض. ومع ذلك فهو أيضًا الأكثر دراسة بين تلك العوالم، بفضل عقود من المدارات الجوالة والمركبات الجوالة والمسابير الهابطة.
صُمم InSight خصيصًا لدراسة باطن المريخ. ويعكس اسمه الكامل، Interior Exploration using Seismic Investigations, Geodesy and Heat Transport، هذا الهدف مباشرة. ورغم أن المهمة انتهت في أوائل عام 2022 بعد أن غطّى الغبار ألواحه الشمسية، ورغم أن أحد أجهزتها واجه مشكلة في النشر قبل النهاية، فقد أنتج المسبار مع ذلك مجموعة بيانات مهمة عن البنية الداخلية للكوكب. ولا يزال العلماء يستخلصون نتائج جديدة من تلك القياسات.
تكمن الإشارة على عمق يقارب 24 كيلومترًا
تركز الدراسة الجديدة على بنية قشرة المريخ كما استدل عليها من الموجات الزلزالية. ويعتمد التحليل الزلزالي بدرجة كبيرة على نوعين رئيسيين من الموجات، موجات p وموجات s، اللتين تنتقلان بشكل مختلف عبر المواد الكوكبية ويمكن أن تكشفا عن تغيرات في التركيب والكثافة والحالة. وأظهرت بيانات InSight قشرة طبقية تحتوي على انقطاع زلزالي داخل القشرة على عمق يقارب 24 كيلومترًا، فوق حد يفصل بين القشرة والوشاح على عمق نحو 38 كيلومترًا.
حتى الآن، ظلّت طبيعة ذلك الانقطاع غير مفسرة. والتفسير الجديد هو أن القشرة الأعمق مستنزفة من الانصهار، وأن الصهارة تحركت ذات يوم عبر نظام عابر للقشرة، ما يعني أن مسارات الصهارة ومناطق تخزينها امتدت عبر أجزاء واسعة من القشرة بدلًا من أن تكون محصورة في خزانات معزولة. وهذه بنية داخلية أكثر تعقيدًا مما قد يوحي به مريخ خامل وصلب للوهلة الأولى.
تشير عبارة “القشرة السفلية المستنزفة من الانصهار” إلى صخور استُخرج منها الانصهار بالفعل. وبالمعنى الكوكبي، فهذا يدل على معالجة صهارية نشطة في الماضي. فبدلًا من قشرة بردت ببساطة في مكانها، يبدو أن الطبقات السفلى قد تأثرت بحركة المادة المنصهرة وانفصالها. وهذا يدعم فكرة أن المريخ بنى أجزاء من قشرته وعدّلها عبر نشاط صهاري واسع النطاق.
لماذا تتجاوز أهمية الاكتشاف المريخ
تتجاوز أهمية النتيجة كوكبًا واحدًا. يستخدم العلماء المريخ لاختبار أفكار أوسع حول كيفية تطور العوالم الصخرية عندما لا تمتلك تدويرًا تكتونيًا على النمط الأرضي. وإذا كان الكوكب ذو الغلاف الساكن قادرًا مع ذلك على احتضان أنظمة صهارية داخلية واسعة، فإن البراكين وتكوين القشرة ونقل الحرارة قد تظل قوية حتى من دون صفائح متحركة. وهذا يوسّع نطاق السرديات الجيولوجية الممكنة للكواكب الأرضية في أماكن أخرى.
ويذكر الباحثون أن قشرة المريخ تحفظ سجلًا للتطور الكوكبي المبكر في غياب تكتونية الصفائح. وهذا يجعل المريخ ذا قيمة خاصة لأنه قد يحتفظ بأدلة على عمليات أزالتها الأرض جزئيًا عبر التدوير التكتوني المستمر. على الأرض، تعيد حركة الصفائح تدوير القشرة القديمة باستمرار وتعيد تشكيل السطح. أما المريخ، فعلى العكس، فيمكنه الحفاظ على بنى شديدة القدم لفترات زمنية طويلة للغاية.
ويمنح هذا الحفظ علماء الكواكب فرصة لفحص كيفية تطور القشرة المبكرة على عالم برد وتطور بطريقة مختلفة. ومن ثم يمكن لفهم أفضل للنشاط الصهاري على المريخ أن يفيد نماذج الكواكب الصخرية الخارجية، وكذلك الجدل المستمر بشأن الزهرة وعطارد. كما أنه يمس أبحاث قابلية السكن، لا لأن الورقة الجديدة تثبت شيئًا عن الحياة، بل لأن النشاط الداخلي يؤثر في الغلاف الجوي وكيمياء السطح والاستقرار البيئي طويل الأمد.
صورة أكثر نشاطًا للكوكب الأحمر
غالبًا ما تشدد الصور الشائعة للمريخ على كونه عالمًا متراجعًا جيولوجيًا: باردًا، جافًا، مغبرًا، وخاملًا إلى حد كبير. وكانت هذه الصورة ناقصة دائمًا، بالنظر إلى البراكين العملاقة وأدلة النشاط القديم الواسع الظاهرة من المدار. ومع ذلك، فإن التفسير الجديد يشحذ الحجة القائلة إن باطن الكوكب كان منظمًا وديناميكيًا بطرق لا تزال تُكشف حتى الآن. وقد تحتوي القشرة على سجل لا يقتصر على التبريد، بل يشمل إعادة تشكيل صهارية عميقة ومستمرة.
وما يجعل الدراسة لافتة هو أنها تستخلص هذه القصة من قياسات داخلية لا من المشهد السطحي وحده. فالصور البعيدة يمكن أن تُظهر تضاريس بركانية وتدفقات قديمة، لكن البيانات الزلزالية تخترق البنية التي تحتها. وتكمن مساهمة InSight، حتى بعد انتهاء المهمة، في الاستمرار بتحويل المريخ من لغز سطحي إلى لغز داخلي ذي بنية قابلة للقياس ونماذج قابلة للاختبار.
وفي علم الكواكب، هذا هو التطور الأكبر. فالمريخ ليس مجرد هدف للاستكشاف أو وجهة محتملة للبعثات المستقبلية. إنه أيضًا عالم مقارن يساعد على تحديد ما يمكن أن يكون عليه الكوكب الأرضي. وإذا كانت قشرته تسجل فعلًا نشاطًا صهاريًا عابرًا للقشرة رغم غياب تكتونية الصفائح، فإن قائمة مسارات التطور الكوكبي أوسع من مجرد مقارنة بسيطة بين الأرض وعالم ميت. وقد يحتل المريخ بدلًا من ذلك منطقة وسطى أكثر إثارة: ساكن تكتونيًا، لكنه متطور صهاريًا.
- استخدم الباحثون بيانات الزلازل من NASA InSight لتفسير انقطاع داخل القشرة في قشرة المريخ.
- تشير الدراسة إلى أن المريخ يملك قشرة سفلية مستنزفة من الانصهار وأدلة على نشاط صهاري عابر للقشرة رغم غياب تكتونية الصفائح.
- قد تؤثر النتيجة في كيفية نمذجة العلماء لتطور الكواكب الصخرية والعمليات الداخلية المعقدة فيها.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com


