لعدة عقود، كانت الزهرة أكبر إغراء في النظام الشمسي. من بعيد تبدو كمنارة لامعة؛ لكن عن قرب، يكون سطحها عالما سحيقا محروقا وساحقا، حيث يذوب الرصاص. ومع ذلك، فوق ذلك المشهد الجهنمي مباشرة، وفي سحب حمض الكبريتيك التي تلتف حول الكوكب، تكون الظروف أكثر اعتدالا، وربما أكثر إثارة لعلماء الأحياء الفلكية من السطح الصخري في الأسفل.
تشير دراسة جديدة، قادها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ونُشرت في Proceedings of the National Academy of Sciences، إلى أن كيمياء الحياة، على الأقل النوع الذي يمكن أن يدعم البيولوجيا، قد تكون أكثر تحملا مما كان يُعتقد سابقا.
عالم من قسمين
غالبا ما تُقارن الزهرة بتايتان، أكبر أقمار زحل، لأن كليهما مخفي تحت غلاف جوي كثيف لا تستطيع التلسكوبات البصرية اختراقه. ويُحتاج إلى الرادار لرسم ما يوجد تحته. لكن على عكس الضباب الباهت في تايتان، يقدم غلاف الزهرة الجوي مشهدا دوارا دراميا. أما على السطح، فالحقيقة بعيدة تماما عن اللطف: درجات حرارة حارقة وضغوط ساحقة تجعل الكوكب من أكثر الأماكن عدائية في النظام الشمسي.
القصة مختلفة في الغلاف الجوي. ففي ارتفاعات معينة، تقترب درجات الحرارة والضغوط من قيم شبيهة بالأرض، ما يجعل السحب ملاذا محتملا مغريا للحياة الميكروبية. وكان السؤال دائما هو ما إذا كانت الكيمياء الحيوية قادرة على العمل في سحابة مكونة من حمض الكبريتيك المركز بدلا من الماء السائل. وقد افترض كثير من علماء الأحياء الفلكية أن الماء هو المذيب الأساسي للحياة. وتحدي الدراسة الجديدة هذا الافتراض.
الببتيدات: اللبنات الأساسية للحياة
البروتينات لا غنى عنها للحياة كما نعرفها. لكن قبل أن يؤدي البروتين وظيفته كإنزيم أو مكون بنيوي، يجب أن تنطوي سلسلة أحماضه الأمينية إلى شكل ثلاثي الأبعاد محدد للغاية. فإذا فشل الطي بشكل صحيح، يصبح البروتين غالبا عديم الفائدة أو حتى ضارا.
الببتيدات، وهي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، تمثل السلائف الأبسط للبروتينات الكاملة. ودراسة سلوك الببتيدات في بيئات شبيهة بالزهرة تمنح الباحثين طريقة مباشرة لطرح السؤال: هل يمكن للكيمياء اللازمة للبيولوجيا أن تصمد في ظروف تبدو معادية للحياة على الأرض؟
تشرح الدكتورة سارة سيغر، أستاذة علم الكواكب في MIT والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أهمية الطي. وقالت: “تحتاج الحياة إلى بروتينات ذات أشكال خاصة حتى يكون لها هدف محدد يمكنها الارتباط به وأداء وظيفتها”.
إذا استطاعت الببتيدات الصغيرة أن تبقى سليمة وأن تنطوي بشكل صحيح في حمض الكبريتيك، فربما تكون الكيمياء الأساسية للحياة ممكنة في أماكن أبعد بكثير من المنطقة الصالحة للحياة حول الأرض.
اختبار كيمياء سحب الزهرة
وللتحقق من ذلك، صمم الفريق البحثي سلسلة من التجارب المخبرية باستخدام مطيافية الرنين المغناطيسي النووي. تسمح مطيافية NMR للعلماء بملاحظة البنية الجزيئية والترتيب الفيزيائي للمركبات الكيميائية بالتفصيل. وتتطلب هذه التقنية تحضيرا دقيقا جدا للعينات، خاصة عند العمل مع مذيب أكّال مثل حمض الكبريتيك بنسبة 98 في المئة.
وضع الباحثون ثلاثة ببتيدات مختلفة في ظروف تهدف إلى محاكاة سحب الزهرة، حيث يكون حمض الكبريتيك شبه نقي ويكاد الماء يكون غائبا تماما. وكان الاعتقاد السابق أن مثل هذه البيئة ينبغي أن تكسر الروابط الببتيدية، مدمرة السلاسل قبل أن تتمكن من فعل أي شيء ذي صلة بيولوجية.
لكن النتائج خالفت ذلك التوقع. فقد نجح الفريق في رصد الببتيدات الثلاثة وهي تشكل بنى مطوية، وبقيت هذه البنى مستقرة لعدة أسابيع. لم تدمرها البيئة. بل بدت الببتيدات وكأنها تتكيف مع بيئة خالية من الماء، وبقيت سليمة مدة كافية لتعمل.
ويعزو الفريق هذا السلوك إلى غياب الماء نفسه. على الأرض، الماء موجود في كل مكان، ويعزز الحياة عموما، لكنه أيضا جزيء يستطيع مهاجمة الروابط الببتيدية وكسرها، وهي عملية تُعرف بالتحلل المائي. أما في حمض الكبريتيك المركز في الغلاف الجوي العلوي للزهرة، فالماء شبه غائب بالكامل. ومن دون ماء يدفع التحلل المائي، بقيت الروابط الكيميائية في هذه الببتيدات مستقرة، ما سمح للسلاسل بالطي.
ماذا يعني هذا في البحث عن الحياة
للدراسة آثار تتجاوز الزهرة كثيرا. فقد فضلت الأحياء الفلكية تاريخيا الكواكب والأقمار التي يوجد فيها ماء سائل أو يُحتمل وجوده. وكان هذا الإطار موجها للبعثات إلى المريخ، والأقمار الجليدية للمشتري وزحل، والكواكب الخارجية التي تدور في المناطق الصالحة للحياة حول نجومها.
لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن البيئات غير الشبيهة بالأرض، أي تلك الأكثر حمضية بكثير من أي نظام بيئي تستطيع الأرض تحمله، قد تكون صالحة تماما لدعم الآلات الجزيئية للحياة. وكما تذكر الدراسة، فإن الكواكب ذات الظروف التي تبدو متطرفة بمعايير الأرض قد تؤوي حياة تستخدم مذيبات غير الماء، أو على الأقل حياة قادرة على تحمل الأحماض المركزة.
سحب الزهرة ليست بيئة لطيفة. فحمض الكبريتيك ليس شيئا يمكن لأي كائن حي معروف أن يستهلكه بكميات كبيرة، رغم أن بعض الميكروبات على الأرض تزدهر في البيئات الحمضية، مثل الينابيع الحارة البركانية أو تصريف المناجم الحمضي. لكن تلك البيئات لا تزال معتمدة على الماء. والفرق الحاسم في الزهرة هو أن السحب ليست حمضية فقط، بل أيضا مجففة بشدة، مع غياب شبه تام للماء.
وهذا يجعل استقرار الببتيدات الذي لوحظ هنا أكثر إثارة للإعجاب. فهو يشير إلى مشهد كيميائي يمكن أن تبقى فيه الجزيئات العضوية المعقدة لأسابيع، وربما مدة تكفي للمشاركة في تفاعلات قد تدعم أشكالا بدائية من البيولوجيا.
لماذا هذه الدراسة مهمة
هذا العمل لا يثبت أن الحياة موجودة على الزهرة. لكنه يفعل شيئا ربما يكون أهم: يوسع مجموعة الأماكن التي ينبغي أن نأخذها في الحسبان في البحث عن الحياة. إذا كانت الكيمياء الأساسية للحياة قادرة على الصمود في حمض الكبريتيك، فإن قابلية السكن ليست مجرد سؤال بسيط عن درجة الحرارة ووجود الماء السائل.
قد تتمكن بعثات مستقبلية إلى الزهرة، مثل المجسات المقترحة المحمولة على بالونات، من أخذ عينات مباشرة من طبقات السحب بحثا عن الجزيئات العضوية وربما عن مؤشرات على المعالجة البيولوجية. وتمنح دراسة MIT لهذه البعثات مبررا علميا أقوى، لأنها تظهر أن أبسط اللبنات البيولوجية قد تصمد في تلك البيئة.
الببتيدات ليست سوى عنصر واحد من عناصر الحياة. ومع ذلك، فهي أساسية لآلية عمل جميع الكائنات الحية المعروفة. وقدرة الببتيدات على تكوين بنى مستقرة في حمض الكبريتيك تشير إلى أن بعض الأدوات الجزيئية المطلوبة على الأقل يمكن أن تعمل في ظروف سحب الزهرة.
وبالطبع، البقاء على قيد الحياة في بيئة مخبرية لا يعني الشيء نفسه مثل النشوء في البرية. ربما كانت سحب الزهرة موجودة لمئات الملايين من السنين، ما أتاح وقتا كافيا لحدوث تطور كيميائي إذا تشكلت أي مركبات مستقرة. لكننا لا نعرف بعد ما إذا كانت بيئة الكوكب القاسية ودوران غلافه الجوي سيسمحان للجزيئات بالبقاء مدة كافية لتتجمع في حياة.
الطريق إلى الأمام
تذكرنا الدراسة الجديدة المنشورة في PNAS بأن الزهرة لا ينبغي أن تُستبعد بوصفها عالما ميتا لمجرد أن سطحها جحيمي. فقد تكون سحبه واحدة من أكثر الأماكن سهولة في الوصول داخل النظام الشمسي لاختبار ما إذا كانت الكيمياء الحيوية الأرضية هي المخطط الوحيد الممكن للحياة أم مجرد واحد من عدة مخططات.
والأمر المثير بشكل خاص هو دور الماء. يبرز الباحثون أن غياب الماء يساعد الببتيدات على البقاء مستقرة، ما يشير إلى أن الماء، وهو مذيب الحياة على الأرض، قد لا يكون شرطا مسبقا لبعض الخطوات الأساسية في الحياة. وينبغي أن يستكشف العمل المستقبلي تفاعل الجزيئات الحيوية الأخرى مع حمض الكبريتيك، وكذلك المسارات الكيميائية التي قد تنتج الببتيدات من الأساس.
الآثار عميقة. فإذا كان يمكن بناء الحياة من جزيئات تطوي وتعمل في حمض الكبريتيك المركز، فإن مفهوم “المنطقة الصالحة للحياة” - أي المنطقة الضيقة حول نجم حيث يمكن للماء السائل أن يوجد على سطح كوكب - قد يكون مقيدا أكثر من اللازم.
بدلا من أن نسأل أين يتدفق الماء، قد نحتاج إلى أن نسأل أين يمكن للكيمياء أن تبقى مستقرة ومعقدة. وقد يتبين أن الزهرة، رغم كل ما يبعث على الإحباط فيها، أحد أفضل المختبرات الطبيعية لدراسة هذا الاحتمال.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com


