لا يمتلك القمر اليوم غلافاً مغناطيسياً. هذه الحقيقة ليست محل خلاف. أما ما إذا كان قد امتلك واحداً في الماضي فهي مسألة قسّمت علماء الكواكب لعقود، إذ تشير عينات الصخور من حقبة أبولو والأجهزة المدارية الحديثة في اتجاهات متعارضة بعناد. والآن يقول فريق من الباحثين من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) والمركز الألماني للطيران والفضاء (DLR) ومعهد علوم الأرض التطبيقية إنه قادر على حسم الجدل، باستخدام أدلة من بنية بركانية مدفونة تحت رقعة من الجانب البعيد للقمر لا يمكن لأحد على الأرض رؤيتها مباشرة.
خلاصتهم: القمر كان يمتلك بالفعل دينامو مغناطيسياً في يوم من الأيام. والدليل، كما يجادلون، يكمن تحت علامة سطحية باهتة تُسمى دوّامة ديوار، حيث يبدو أن بركاناً خامداً منذ زمن طويل محتجز داخل القشرة القمرية.
جدل استمر عقوداً حول مجال مفقود
العلماء واثقون من أن القمر يفتقر حالياً إلى مجال مغناطيسي عالمي. الخلاف يتعلق بالماضي. فقد أثبتت القياسات المستمدة من عينات أبولو ومن الأجهزة المحمولة على مركبات فضائية مدارية أنها مثيرة للانقسام، إذ يدفع كل مجموعة بيانات الرواية في اتجاه مختلف، ولهذا استمر الجدل محتدماً بدلاً من أن يُحسم.
جزء من الصعوبة يكمن في أن المجال المغناطيسي لا يترك سوى آثار غير مباشرة. يمكن للصخور أن تسجل اتجاه وقوة مجال محيط في اللحظة التي تبرد فيها وتثبّت مغنطتها، لكن هذه السجلات تُطمس لاحقاً بفعل التسخين والتشقق والقصف النيزكي. وقراءة التاريخ المغناطيسي للقمر تعني إيجاد مادة ظلت سليمة لمليارات السنين وربطها بفهم للجيولوجيا التي أنتجتها.
رقعة غير عادية من الجانب البعيد للقمر
وهنا يأتي دور ديوار. تقع هذه السمة على الجانب البعيد للقمر، شمال غرب حوض القطب الجنوبي–أيتكن (SPA)، وهي منطقة مشهورة بالفعل بمواردها المائية المحتملة. وقد جذب ديوار الانتباه لأنه بدا يحتضن شاذّتين متميزتين في آن واحد — إحداهما مغناطيسية والأخرى جاذبية.
يعرف الجيولوجيون الكوكبيون دوّامة ديوار منذ زمن طويل وصنفوها في النهاية على أنها "كريبتومير" (cryptomare)، وهي فئة تصف رواسب بازلتية قديمة مخفية تحت طبقات من الحطام الناتج عن الاصطدامات. كما تحمل "دوّامة قمرية"، وهي علامة سطحية تبدو كضربة فرشاة عبر المشهد وتتزامن دائماً تقريباً مع شاذة مغناطيسية.
يتميز ديوار لسببين. فالدوّامات تظهر عادة في عناقيد، بينما ديوار معزول نسبياً. كما أنه يقع مباشرة فوق نقطة ساخنة جيوكيميائية غنية بأكسيد الحديد وثاني أكسيد التيتانيوم والثوريوم والبيروكسين — وهو تركيز غير عادي من المواد يلمح إلى وجود شيء جوهري في الأسفل.
قراءة ما تحت السطح بالجاذبية والمغناطيسية
لتحديد ما هو مخفي فعلاً بين الدوّامة والقشرة الأعمق، جمع الباحثون بيانات مدارية من مجموعة متنوعة من أجهزة استشعار الجاذبية والمغناطيسية، بما في ذلك تلك المحمولة على GRAIL وLunar Prospector وKaguya. وقد أتاح لهم دمج تلك القياسات تطبيق تقنية من نظرية المعلومات تُعرف باسم تباين المعلومات (VI) لحساب "انعكاس" البيانات — أي الاستدلال عكسياً من الإشارات المرصودة لتحديد نوع الجسم الذي كان يمكن أن ينتجها.
الصورة الناتجة محددة. فالجسم الجيولوجي الواقع مباشرة تحت دوّامة ديوار يبلغ عرضه نحو 60 كيلومتراً ويمتد بين 5 و9 كيلومترات في العمق. والأهم أنه أكثر كثافة من التضاريس المحيطة، وهو ما يولّد "شاذة جاذبية" في القراءات المدارية — وهذا الجسم نفسه مقترن بمستوى قوي من المغنطة.
- الحجم: نحو 60 كيلومتراً عرضاً، ويمتد من 5 إلى 9 كيلومترات نحو الأسفل.
- الكثافة: أعلى من القشرة المحيطة، مما ينتج شاذة الجاذبية.
- المغناطيسية: ممغنط بقوة، بما يتطابق مع الدوّامة فوقه.
- مصادر البيانات: أجهزة استشعار الجاذبية والمغناطيسية على GRAIL وLunar Prospector وKaguya.
بركان مخفي تحت الدوّامة
بمجرد أن حدد الفريق الأبعاد العامة للجسم وكثافته، أصبح التحديد أوضح: دوّامة ديوار تقع مباشرة فوق بركان مدفون. ومن شبه المؤكد أن هذه البنية لم تنفجر منذ مليارات السنين — وهي ظروف مواتية، إذ كان الانفجار على الأرجح سيجرف طبقات الريغوليث الناعم التي ظلت ممتدة فوقه لما يقارب المدة نفسها.
هذا الحفظ هو ما يجعل الموقع بالغ القيمة. فيبدو أن الجسم البركاني والمواد الممغنطة حوله قد أفلتا من نوع الاضطراب الذي يمحو السجلات المغناطيسية في أماكن أخرى من القمر، تاركين أرشيفاً مرتباً نسبياً لظروف سادت في عمق التاريخ القمري.
لماذا يتحدث بركان إلى مسألة الدينامو
المنطق الذي يربط بركاناً مدفوناً بالماضي المغناطيسي للقمر يمر عبر المغنطة نفسها. فمن المفهوم عموماً أن صخور القشرة الممغنطة بقوة اكتسبت هذه البصمة أثناء تبريدها في وجود مجال مغناطيسي. وإذا كان الجسم تحت ديوار بنية بركانية وممغنطاً بقوة في آن واحد، فإن مجالاً مغناطيسياً كان موجوداً عندما تشكّلت تلك المادة وبردت — وهو مجال كان سيتطلب، على نطاق عالمي، دينامو يعمل داخل القمر.
هذه هي الحجة التي يقدمها الباحثون. فبدلاً من الاعتماد على قراءات متنازع عليها من عينات فردية، يربطون شاذة مغناطيسية ببنية جيولوجية محددة ومقيسة، مما يمنح فرضية الدينامو مرتكزاً فيزيائياً على الجانب البعيد. وإذا صمد هذا التفسير، فإن الجدل الممتد لعقد حول ما إذا كان القمر قد ولّد يوماً مجاله المغناطيسي الخاص ينتقل من سؤال مفتوح نحو نتيجة محسومة.
أسئلة لا تزال قائمة
حتى الإجابة المقنعة تترك الكثير دون حل. متى عمل الدينامو بالضبط، ولأي مدة؟ ما مدى قوة المجال مقارنة بمجال الأرض؟ ما الذي أوقفه في النهاية؟ وما العلاقة الدقيقة بين الدوّامات القمرية والشواذ المغناطيسية التي ترافقها بموثوقية شديدة — هل تحمي الصخور المغناطيسية السطح من التجوية الفضائية، فتحفظ نمط الدوّامة الساطع، أم أن هناك عملية أخرى فاعلة؟
قد يكون موقع ديوار أيضاً هدفاً جاذباً للدراسة المستقبلية. فاجتماع كريبتومير ودوّامة ونقطة ساخنة جيوكيميائية وجسم بركاني مدفون في منطقة واحدة مدمجة نسبياً يجعله مرشحاً طبيعياً لحملات استشعار عن بعد مفصلة، وربما لإعادة عينات يمكن أن تختبر السجل المغناطيسي مباشرة في المختبر.
الخلاصات الرئيسية
- لا يمتلك القمر غلافاً مغناطيسياً اليوم، لكن ما إذا كان قد امتلكه يوماً ظل محل جدل لعقود.
- ورقة بحثية جديدة من ETH Zurich وDLR ومعهد علوم الأرض التطبيقية تجادل بأن القمر كان يمتلك بالفعل دينامو مغناطيسياً.
- تتركز الأدلة على دوّامة ديوار، وهي سمة معزولة على الجانب البعيد للقمر شمال غرب حوض القطب الجنوبي–أيتكن.
- جُمعت بيانات الجاذبية والمغناطيسية من GRAIL وLunar Prospector وKaguya وعُكست باستخدام تقنية تباين المعلومات.
- الجسم المدفون يبلغ عرضه نحو 60 كيلومتراً وعمقه من 5 إلى 9 كيلومترات، وهو أكثر كثافة من محيطه وممغنط بقوة.
- يحدده الباحثون كبركان مدفون خامد منذ مليارات السنين، حافظ على الريغوليث فوقه.
هذا المقال مبني على تقرير من Universe Today. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on universetoday.com



