وعد الواقع الافتراضي بعلم السلوك يصطدم بمشكلة المعايير

طُرح الواقع الافتراضي منذ سنوات باعتباره أداة اختراقية لأبحاث السلوك، لكن ورقة جديدة في Proceedings of the National Academy of Sciences تجادل بأن القيمة العلمية لهذه التقنية ستعتمد على شيء أقل بريقًا من الخوذات أو الرسوميات. ويقول المؤلفون إن المجال يحتاج إلى بروتوكولات مشتركة.

الورقة، التي لخصها باحثون مشاركون في تعاون Openverse، تجمع 41 مؤلفًا من مختلف أنحاء العالم. وحجتهم الأساسية بسيطة: يمكن للواقع الافتراضي أن يخلق إعدادات تجريبية دقيقة وغامرة وقابلة للتكرار على نحو غير معتاد في علم السلوك، لكن غياب الأساليب المشتركة يهدد بتقويض هذه الميزة. وبعبارة أخرى، قد تكون التقنية تتقدم أسرع من الأعراف العلمية اللازمة لجعل النتائج قوية وقابلة للمقارنة وإعادة الاستخدام.

هذا القلق يلامس ساحة مألوفة في البحث الحديث. فقد أمضى علم السلوك سنوات في التعامل مع قابلية التكرار، إذ ثبت أن كثيرًا من النتائج يصعب استنساخها عبر المختبرات أو السكان أو الأساليب. ويبدو أن الواقع الافتراضي يقدم جوابًا جزئيًا لأنه يتيح للباحثين وضع المشاركين في بيئات خاضعة للضبط ومحددة بدقة، مع محاكاة مواقف تبدو أكثر واقعية من مهام المختبر التقليدية. لكن فريق Openverse يقول إن هذا الوعد قد يتبدد إذا بنى كل مختبر دراسات الواقع الافتراضي وقدمها بطريقة مختلفة.

لماذا يبدو الواقع الافتراضي جذابًا جدًا للباحثين

من السهل فهم جاذبية الواقع الافتراضي في علم السلوك. فالتجارب التقليدية غالبًا ما تفرض مفاضلة بين الضبط والواقعية. قد تبدو الدراسات المخبرية شديدة الضبط مصطنعة، بينما قد تكون الدراسات الأقرب إلى الواقع الطبيعي أصعب في التقييس. ويمنح الواقع الافتراضي، من حيث المبدأ، الباحثين وسيلة لتضييق هذه الفجوة عبر غمر المشاركين في بيئات يمكن ضبطها حتى أدق التفاصيل.

وهذا يعني أن الباحثين يستطيعون التلاعب بالموقف نفسه مرارًا، والحفاظ على المتغيرات الرئيسية ثابتة، وتعرية مجموعات مختلفة إلى شروط متطابقة بدقة. ويصف المصدر الواقع الافتراضي بأنه يتيح للباحثين غمر المشاركين في بيئات فائقة الواقعية مع التحكم في تلك البيئات حتى أصغر التفاصيل. وبالنسبة إلى مجال يدرس الانتباه والإدراك والحكم والحركة والضغط النفسي أو التفاعل الاجتماعي، فهذه قدرة قوية.

كما أنه يصبح أكثر سهولة من حيث الوصول. ويشير الداعمون للورقة إلى أن عتاد الواقع الافتراضي يتحسن وأن الأسعار تنخفض. وانخفاض الكلفة مهم لأنه يوسّع الوصول إلى ما يتجاوز عددًا صغيرًا من المختبرات الممولة جيدًا. لكن التبني الأوسع يجلب تحديًا آخر: فبمجرد أن تبدأ المزيد من التخصصات والمؤسسات باستخدام أدوات متشابهة بطرق مختلفة، يمكن أن تنتشر التجزئة بسرعة.

ويحذر فريق Openverse من أن أبحاث الواقع الافتراضي قد تتحول إلى “الغرب المتوحش” المنهجي، مع بروتوكولات غير متسقة عبر الحقول. وتلخص هذه العبارة التوتر المركزي في الورقة. فالنمو السريع قد يكون جيدًا للتجريب، لكنه سيئ للعلم التراكمي إذا لم يتمكن الباحثون من مقارنة دراسة بأخرى بصورة موثوقة.

المشكلات الثلاث التي تحاول البروتوكولات الجديدة حلها

يركز الإطار المقترح على ثلاثة مجالات يقول المؤلفون إنها تعيق المجال: التوافق التشغيلي، وتوحيد الإجراءات، ومعايير الإبلاغ.

التوافق التشغيلي

إحدى المشكلات المتكررة في أبحاث الواقع الافتراضي هي الارتباط بمنظومة مغلقة. فقد تصبح الدراسات مرتبطة بحزمة محددة من العتاد والبرمجيات، مما يجعل إعادة إنتاجها في مكان آخر صعبة. وإذا استخدم مختبر آخر خوذات أو محركات أو صيغ ملفات مختلفة، فقد يضطر إلى إعادة بناء التجربة من الصفر. وهذا يهدر الجهد ويزيد خطر ألا تكون الدراسات التي تبدو متشابهة متكافئة فعليًا.

virtual reality
Credit: CC0 Public Domain

وتدفع البروتوكولات الجديدة نحو محركات مشتركة ومعايير مفتوحة وترخيص أوضح. والهدف هو قابلية النقل: ينبغي للمحاكاة أن تنتقل بين المختبرات وأن تظل قابلة للاستخدام مع تغير التكنولوجيا. وبالنسبة إلى مجال يعتمد على الاستمرارية العلمية وعلى أجهزة سريعة التطور في آن واحد، فهذه ضرورة عملية لا مجرد ميزة إضافية.

توحيد الإجراءات

حتى عندما يستخدم مختبران المواد نفسها، قد ينتجان نتائج مختلفة إذا اختلفت الإجراءات. فقد يشرح الباحثون للمشاركين التعليمات بطرق مختلفة، أو يجمعون مقاييس مختلفة، أو يتعاملون مع البيئة التجريبية بصورة غير متسقة. وفي العمل المخبري العادي، لهذه الاختلافات أهمية. وفي الواقع الافتراضي، حيث يمكن للغمر واحتكاك الواجهة وراحة المشاركين أن تشكل النتائج، قد تكون أهميتها أكبر.

تحاول قائمة التحقق الموصوفة في المادة المصدر تقليل هذا الغموض عبر تحديد مجموعة مشتركة من الممارسات. ويشمل ذلك مقاييس قياسية مثل الحضور في الواقع الافتراضي ودوار المحاكاة، وكلاهما يمكن أن يؤثر في كيفية تجربة المشاركين للدراسة وبالتالي في كيفية تفسير النتائج. وإذا قاست دراسة واحدة هذه العوامل ولم تفعل أخرى ذلك، يصبح مقارنة النتائج أكثر صعوبة.

معايير الإبلاغ

المشكلة الثالثة هي الشفافية. فقد تورد ورقة نتيجة لافتة من دون توثيق كامل للخوذة أو إصدار البرنامج أو طريقة الحركة أو خطوات المعايرة أو تعليمات المشاركين الكامنة وراءها. وفي مجال كثيف التكنولوجيا، هذه التفاصيل ليست هامشية. إنها جزء من المنهج.

يجادل فريق Openverse بضرورة إبلاغ أوضح حتى يتمكن المحكمون والمحررون والباحثون في المستقبل من فهم ما الذي جرى فعلاً. والقائمة التفاعلية على vrprotocols.org صُممت لتعمل كأداة عملية لا كإطار نظري بحت، مانحة الباحثين مرجع بروتوكول حاليًا يمكنهم تطبيقه عند تصميم الدراسات وكتابتها.

محاولة لإعطاء أبحاث الواقع الافتراضي لغة مشتركة

يصف المصدر Anand P. A. van Zelderen بأنه مؤسس Openverse وأستاذ مساعد في SKEMA Business School، وهو يطرح القضية بوضوح. فالعائق لم يكن في الأساس التقنية نفسها، بل في غياب المعايير المشتركة. وهذه التفرقة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال ما إذا كان الواقع الافتراضي مثيرًا للإعجاب إلى سؤال ما إذا كانت أبحاث الواقع الافتراضي قادرة على أن تصبح علمًا تراكميًا.

إذا اكتسبت البروتوكولات زخمًا، فقد تؤثر في أكثر من مختبرات فردية. فالقائمة المشتركة تمنح محرري المجلات والمحكمين وسيلة للحكم على ما إذا كانت الدراسة قد وثقت الأساسيات اللازمة لإعادة الإنتاج. كما تمنح الباحثين الجدد مدخلًا إلى مجال قد تبدو فيه الخيارات التقنية غامضة أو مرتجلة.

ولا تدعي الورقة أن البروتوكولات وحدها ستحل أزمة قابلية التكرار في علم السلوك. والنص الأصلي أكثر تحفظًا من ذلك. وما يقترحه هو أن الواقع الافتراضي قد يساعد إذا اعتمد المجال ممارسات العلم المفتوح وإتاحة التكنولوجيا بوصفها مبادئ تصميم أساسية لا مجرد أفكار لاحقة.

وهذا تحول ملحوظ في التركيز. فلطالما دار الحماس حول أبحاث الواقع الافتراضي حول الغمر والواقعية والجِدّة. أما هذه الورقة فتجادل بأن المرحلة التالية من النضج قد تعتمد على الانضباط: معايير مشتركة، وأنظمة قابلة لإعادة الاستخدام، وإبلاغ كامل. وإذا حدث ذلك، فقد يصبح الواقع الافتراضي أقل كونه تقنية عرض وأكثر كونه أداة علمية موثوقة. وبالنسبة إلى علم السلوك، سيكون ذلك على الأرجح الإنجاز الأهم.

تعتمد هذه المقالة على تغطية Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on phys.org