إعادة تقييم برنامج نووي في زمن الحرب
يشير تحقيق جديد في مكعبات اليورانيوم المحفوظة والأدلة التاريخية إلى أن آخر مفاعل نووي تجريبي لألمانيا النازية كان أبعد بكثير عن العمل بنجاح مما أوحت به روايات لاحقة.
وتفحص الدراسة، التي نشرتها PNAS Nexus، البرنامج النووي الألماني المعروف باسم Uranprojekt، ومحاولته الكبرى الأخيرة لبناء مفاعل، وهي كومة B8. وقد بُني الجهاز التجريبي عام 1945 تحت إشراف الفيزيائي Werner Heisenberg، واستخدم مكعبات من اليورانيوم الطبيعي معلقة في الماء الثقيل.
ويخلص التحليل إلى أن المشكلة لم تكن نقصاً محدوداً يمكن إصلاحه ببضعة إمدادات إضافية. فقد كانت ألمانيا ستحتاج إلى كميات أكبر بكثير من اليورانيوم والماء الثقيل مما كان متاحاً لها أثناء الحرب حتى يصبح المفاعل قابلاً للتشغيل.
لماذا كان المفاعل مهماً
خلال الحرب العالمية الثانية، مضت الولايات المتحدة في مشروع مانهاتن، جزئياً لأن المسؤولين والعلماء خشوا أن تطور ألمانيا النازية أسلحة نووية أولاً. وكان أحد المسارات إلى صنع قنبلة يتطلب مفاعلاً نووياً قادراً على إنتاج البلوتونيوم، وهو عنصر مشع يمكن استخدامه في الأسلحة النووية.
يعتمد المفاعل على انشطار نووي مستدام. فعندما تنشطر ذرات اليورانيوم، تطلق الطاقة والنيوترونات. وفي الظروف المناسبة، يمكن لهذه النيوترونات أن تسبب انشطارات إضافية، فتنشئ تفاعلاً متسلسلاً مستمراً. وتعتمد إمكانية استمرار التفاعل المتسلسل على التكوين الفيزيائي للوقود وعلى المواد التي تساعد في إدارة النيوترونات.
استخدم تصميم B8 الألماني مكعبات اليورانيوم الطبيعي والماء الثقيل. ويستخدم البحث الجديد أدلة من المكعبات المحفوظة إلى جانب مواد موثقة سابقاً من زمن الحرب لفحص مدى اقتراب ذلك الترتيب من ظروف التشغيل اللازمة.
كان الماء الثقيل قيداً حاسماً
يبدو الماء الثقيل مشابهاً للماء العادي، لكن ذرات الهيدروجين فيه تحتوي على نيوترون إضافي. وكان له في تصميم المفاعل الألماني دور أساسي في التحكم في التفاعل النووي. ولذلك احتاجت كومة B8 إلى إمدادات كبيرة من الماء الثقيل واليورانيوم للوصول إلى الظروف اللازمة لتفاعل مستدام.
ووجد التحقيق أن المواد المتاحة كانت أقل بكثير من المطلوب. وتتحدى هذه النتيجة فكرة أن المفاعل كان شبه جاهز للعمل أو أن البرنامج الألماني كان على بعد خطوة صغيرة فقط من تحقيق اختراق.
وبدلاً من تصوير الجهد على أنه مفاعل شبه مكتمل أخرته نهاية الحرب، تشير النتائج إلى فجوة أكثر جوهرية بين النظام التجريبي الذي جمعته ألمانيا والمواد اللازمة لتشغيله.
أهمية مكعبات اليورانيوم
تسلط الدراسة الضوء على القطع المادية الباقية من المشروع: مكعبات اليورانيوم الطبيعي التي كانت مخصصة للمفاعل التجريبي الأخير. وتوفر هذه القطع صلة ملموسة ببرنامج غالباً ما جرى تقييمه من خلال روايات ما بعد الحرب والوثائق العسكرية.
وبالاقتران مع السجلات التاريخية، يتيح تحليل المكعبات اختبار الادعاءات المتعلقة بكومة B8 مقابل متطلباتها المادية. وخلص الباحثون إلى أن ألمانيا النازية افتقرت إلى الكمية المطلوبة من اليورانيوم والماء الثقيل لتشغيل المفاعل التجريبي.
وهذا مهم لأن الأسئلة المتعلقة بالبرنامج الألماني ارتبطت طويلاً بسردية تاريخية أوسع. وكانت احتمالية إنتاج ألمانيا سلاحاً نووياً أحد العوامل التي دفعت الجهد الذري الأمريكي إلى التحرك العاجل. ويساعد تحديد مدى اقتراب ألمانيا فعلياً على توضيح الواقع التكنولوجي الكامن وراء ذلك الخوف.
صورة مختلفة للقدرة التقنية
لا يشير البحث إلى أن ألمانيا كانت تفتقر إلى الاهتمام بالعلوم النووية أو أن Uranprojekt لم يجر تجارب مهمة. بل يميز بين العمل التجريبي والمهمة الأكثر صعوبة بكثير المتمثلة في بناء مفاعل قادر على الحفاظ على تفاعل متسلسل ودعم إنتاج البلوتونيوم، على نحو محتمل.
كانت كومة B8 آخر محاولة ألمانية لبناء مفاعل تجريبي. وقد جعل تصميمها وموادها وسياقها الحربي منها محوراً لتقييم نضج البرنامج. وتشير النتائج الجديدة إلى أن قيودها كانت بنيوية: فلم يكن المخزون اللازم من المواد الأساسية متاحاً.
ومن هذا المنظور، يبدو المشروع أقل شبهاً بسباق خسرته ألمانيا بفارق ضئيل، وأكثر شبهاً بجهد قُيد قبل وقت طويل من تحوله إلى مفاعل عامل. ولهذا الفرق أهمية تاريخية؛ فهو يعيد صياغة البرنامج باعتباره مشروعاً يعاني نقصاً تقنياً ومادياً، لا محاولة أخفقت بفارق ضئيل.
تواصل القطع التاريخية الإجابة عن أسئلة حديثة
يوضح التحقيق أيضاً قيمة إعادة دراسة التكنولوجيا التاريخية باستخدام التحليل العلمي المعاصر. إذ يمكن فحص المواد الباقية إلى جانب الأدلة الأرشيفية لاختبار الافتراضات القديمة بشأن ما كانت الأنظمة السابقة قادرة فعلاً على تحقيقه.
وبالنسبة إلى الجهد النووي الألماني، فالخلاصة مباشرة: لم يكن مفاعل B8 يفتقر إلى بضع قطع نهائية فحسب. فقد تجاوزت احتياجاته من اليورانيوم والماء الثقيل ما كان لدى ألمانيا النازية أثناء الحرب، تاركة المشروع بعيداً عن مفاعل عامل، وبالتبعية بعيداً عن المسار القائم على المفاعلات لإنتاج البلوتونيوم.
وهكذا فإن مكعبات اليورانيوم أكثر من مجرد قطع أثرية لمشروع مهجور. إنها أدلة تساعد في تحديد حدود أحد أكثر المخاوف التكنولوجية تأثيراً في القرن العشرين.
تستند هذه المقالة إلى تقرير نشرته Science Daily. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on sciencedaily.com



