بدأت الشخصيات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي دخول صناعة استطلاعات الرأي بوصفها وسيلة منخفضة الكلفة لمحاكاة مجموعات التركيز والاستبيانات. لكن باحثة في جامعة سيراكيوز تقول إن التقنية تواجه اختباراً أساسياً قبل الوثوق بها كبديل للناخبين: هل تستطيع عكس تغير الرأي العام؟

تحذر Jennifer Stromer-Galley، الأستاذة في School of Information Studies بجامعة سيراكيوز والمتخصصة في منهجية الاستطلاعات، من أن شخصية الذكاء الاصطناعي قد تكون ثابتة بطريقة لا يكون بها الأشخاص الحقيقيون. فقد تختلف إجابة الناخب في أكتوبر عن إجابته بعد أشهر عندما تتغير الظروف. وتعتمد قدرة المشاركين الاصطناعيين على تمثيل هذا التحول على طريقة بنائهم وتحديثهم.

تمس هذه المسألة جوهر الاستطلاعات الاصطناعية. إذ يمكن للنهج إنشاء مئات أو آلاف الشخصيات القائمة على نماذج اللغة الكبيرة باستخدام بيانات استطلاعات سابقة ومعلومات ديموغرافية، ثم استخدامها في استطلاعات أو مجموعات تركيز اصطناعية. والجاذبية واضحة: يمكن لمزودي الاستطلاعات توسيع خدماتهم من دون تكاليف ولوجستيات تجنيد أشخاص حقيقيين.

ما الذي تحاول الاستطلاعات الاصطناعية فعله؟

تسعى الاستطلاعات التقليدية إلى الحصول على إجابات من أشخاص في وقت محدد. أما الاستطلاعات الاصطناعية فتبني بدائل رقمية يُفترض أن تمثل ناخبين محتملين أو مجموعات أخرى. ويمكن تزويد الشخصيات بمعلومات ديموغرافية مرتبطة بالاستطلاع، وأحياناً بوثائق ومواد أخرى لجعل مواقفها أكثر تفصيلاً.

من حيث المبدأ، يستطيع مزود الخدمة بناء شخصيات ذات وجهات نظر مفصلة حول القضايا والسياسات، ثم دعوتها إلى استطلاعات قائمة على الاهتمامات أو مجموعات تركيز اصطناعية. وقد تبدو مخرجات النظام مفيدة لاختبار الرسائل واستكشاف السيناريوهات وتوسيع المنتجات البحثية.

تصف Stromer-Galley المجال بأنه في بداية “عصر الشخصية الاصطناعية”. وبالنسبة لشركات الاستطلاعات، تكمن الفرصة في تقديم أبحاث إضافية بكلفة منخفضة نسبياً. لكن انخفاض تكاليف التشغيل لا يحسم السؤال المنهجي حول ما إذا كانت الإجابات المولدة تمثل الرأي العام تمثيلاً كافياً.

قد يتحول الاتساق إلى عيب

تعمل نماذج اللغة الكبيرة عموماً انطلاقاً من التعليمات والمعلومات المستخدمة في بناء الشخصية، ما قد يجعل إجاباتها مستقرة. وفي بعض التطبيقات، يكون السلوك المستقر مرغوباً لأنه يجعل الاختبار قابلاً للتكرار ويجعل وصف المشارك المحاكى أسهل.

لكن الاستطلاعات تتعامل مع أشخاص يمكن أن تتغير آراؤهم. فقد لا تكون القضايا التي يعدها المجيب أهم في بداية أكتوبر هي نفسها بعد ثلاثة أشهر. ويمكن للظروف الشخصية والمعلومات الجديدة والتطورات في الحياة العامة أن تؤثر في الإجابات.

لذلك لا يكمن القلق ببساطة في احتمال عدم دقة النظام في إجابة واحدة، بل في احتمال احتفاظه بالملف الأولي بصورة مفرطة. فإذا استمرت الشخصية في تكرار افتراضاتها الأصلية بعد تغير الظروف الواقعية المحيطة بنظيرها المفترض، فقد تفوّت التحول الذي يهدف الاستطلاع إلى اكتشافه.

وتصبح المشكلة أكثر أهمية عندما تُفسر النتائج الاصطناعية باعتبارها مؤشراً إلى تغير المزاج العام. فقد تنتج مجموعة من الشخصيات إجابات كثيرة بسرعة، لكن الحجم وحده لا يثبت أن الإجابات تلتقط كيفية تطور المواقف العامة.

لماذا تهم هذه الفجوة؟

لطالما قُدّرت استطلاعات الرأي العام بسبب موثوقيتها وقابليتها للتنبؤ واتساقها. إلا أن الأساليب الاصطناعية تضيف مصدراً مختلفاً لعدم اليقين: تصميم المجيب المُنمذج.

في الاستطلاع التقليدي، يظل على الباحثين اتخاذ قرارات بشأن العينة والأسئلة والتحليل. لكن الإجابات تأتي من أشخاص يعيشون اللحظة الراهنة. أما في شخصية الذكاء الاصطناعي، فالتعليمات وبيانات المصدر والمواد الإضافية تصبح جزءاً من المجيب نفسه. وقد تشكل افتراضات النظام عن الناخب الإجابات قبل طرح أي سؤال.

وهذا يجعل التحديث والتحقق مسألتين محوريتين. فإذا بنت شركة استطلاعات شخصية انطلاقاً من بيانات ديموغرافية ومجموعة من الإشارات السياسية، فهي تحتاج إلى طريقة لمعرفة ما إذا كانت المخرجات اللاحقة تعكس تغيرات حقيقية في البيئة العامة أو مجرد اختلافات مولدة من ملف أساسي ثابت.

لا تثبت المواد المتاحة أن الاستطلاعات الاصطناعية لا يمكن أن تكون مفيدة. لكنها تحدد قلقاً لم يُحسم بشأن قدرة التقنية على استيعاب تغير الآراء. وهذا تحدٍ أضيق لكنه مهم: لا ينبغي الحكم على الناخب المحاكى فقط بقدرته على تقديم إجابة معقولة اليوم، بل أيضاً بقدرته على الاستجابة بصورة موثوقة عندما تتغير الظروف التي تشكل الإجابات الحقيقية.

مسألة منهجية وليست مسألة ذكاء اصطناعي فقط

يتعلق النقاش في النهاية بالأدلة. وقد ترى شركات الاستطلاعات في شخصيات الذكاء الاصطناعي فرصة لإنشاء خدمات أغنى من دون تكلفة وصعوبة الوصول إلى المجيبين. كما تتيح التقنية للباحثين اختبار عدد كبير من السيناريوهات بسرعة. لكن هذه الكفاءة لا تثبت تلقائياً أن المخرجات الاصطناعية تقيس الرأي العام.

ولكي تحظى الاستطلاعات الاصطناعية بثقة أوسع، سيتعين على مطوريها معالجة الفرق بين شخصية موصوفة جيداً ومجيب حي. فقد يكون الملف الذي يكرر باستمرار موقفاً معيناً متسقاً داخلياً، لكنه قد يفشل مع ذلك في تمثيل شخص تغيرت أولوياته أو آراؤه أو ظروفه.

ومن المرجح أن تزداد أهمية هذا الفرق مع استكشاف المزودين لشخصيات سياسية مفصلة ومجموعات تركيز اصطناعية واستطلاعات قائمة على الاهتمامات. وكلما زادت أهمية القرارات التي تستند إلى المخرجات، ازدادت ضرورة معرفة ما الذي تحاكيه شخصيات الذكاء الاصطناعي فعلاً.

يقدم تحذير Stromer-Galley معياراً مفيداً لتقييم الادعاءات المقبلة في هذا المجال. وينبغي تقييم الاستطلاعات الاصطناعية ليس فقط من حيث السرعة والنطاق والواقعية الظاهرية، بل أيضاً من حيث قدرتها على التعامل مع الزمن. فإذا تحرك الرأي العام ولم تتحرك شخصيات الذكاء الاصطناعي معه، فقد تنتج التقنية نتائج منظمة بينما تفوّت الجمهور الذي يفترض أن تمثله.

يستند هذا المقال إلى تقرير نشره Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on phys.org