تعدين رمال الأنهار يتحرك أسرع من قدرة الأنهار على التعافي
تقول مراجعة عالمية قادها باحثون في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة إن أحد أكثر مواد البناء استخداما في العالم يُؤخذ من الأنهار بوتيرة لا تستطيع كثير من المجاري المائية تحملها. وخلصت الورقة، المنشورة في Reviews of Geophysics، بعد فحص 411 دراسة محكمة نُشرت منذ عام 1974، إلى أن استخراج الرمل والحصى من الأنهار أصبح مشكلة استدامة متفاقمة مرتبطة بالتوسع الحضري ونمو البنية التحتية وتزايد الضغط على النظم النهرية.
والاستنتاج المركزي واضح: حيث تتوافر قياسات موثوقة، فإن كمية الرمل والحصى المستخرجة سنويا تتجاوز في كثير من الأحيان الإمداد الطبيعي من الرسوبيات بعدة مرات. وتكتسب هذه الفجوة أهمية لأن الأنهار ليست مجرد ممرات لنقل المياه. فهي أيضا نظم رسوبية تقضم المواد وتنقلها وتعيد ترسيبها باستمرار. وعندما يزيل التعدين رسوبيات أكثر مما تستطيع الأنهار تعويضه، قد تتعمق المجاري، وتضعف الضفاف، وتتغير البنية المادية لممرات نهرية كاملة.
تجمع المراجعة أدلة من جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا والصين وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية. وتأتي أهمية هذا الاتساع من أن تعدين الرمل غالبا ما يُعامل بوصفه قضية تنمية محلية، لا مشكلة عالمية في إدارة الموارد. أما الورقة فتصوره تحديا عابرا للحدود له آثار على صمود البنية التحتية والأمن المائي والنظم البيئية واستقرار مجتمعات الدلتا.
لماذا تعتبر رمال الأنهار مهمة إلى هذا الحد
الرمل والحصى مدخلات أساسية للخرسانة والطرق والمباني وغيرها من البنى التحتية. ومع توسع المدن وتسارع الأشغال العامة، يرتفع الطلب على هذه المواد. وقد تبدو الرواسب النهرية مصدرا جذابا لأنها غالبا أسهل وصولا ومعالجة من غيرها من الركام. لكن أسرّة الأنهار نفسها التي توفر مواد البناء تدعم أيضا الجسور والسدود والأراضي الرطبة والمزارع ومصايد الأسماك وأنظمة المياه العذبة التي تعتمد عليها المجتمعات.
ووفقا للمراجعة، يمكن أن يؤدي الاستخراج المفرط إلى سلسلة من التغيرات الفيزيائية. فقد تتعمق قيعان الأنهار، وتضعف الضفاف، وتنخفض مستويات المياه الجوفية، وتتدهور جودة المياه. وفي المناطق الساحلية ومناطق الدلتا، قد يتقدم الماء المالح أكثر إلى الداخل. وكل واحد من هذه التغيرات قد يخلق آثارا ثانوية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من موقع التعدين نفسه.
ويشير الباحثون إلى أن الأنظمة النهرية المتضررة قد تهدد بدورها البنية التحتية المشيدة. فقد تصبح الجسور والطرق والمباني أكثر عرضة للخطر مع تحرك المجاري أو اشتداد النحر حول الأساسات. وفي الوقت نفسه، يمكن لفقدان الموائل وتغير ظروف الجريان أن يضرا بالنظم البيئية النهرية، بينما قد تواجه المزارع ومصايد الأسماك الواقعة في المصب ظروفا أسوأ. وبالنسبة للمجتمعات التي تعيش على ضفاف الأنهار والدلتا، فالمشكلة ليست جيولوجيا مجردة، بل قد تتحول إلى خطر مباشر على سبل العيش.
ما الذي تضيفه المراجعة
لا تعتمد الورقة على حوض نهري واحد أو دراسة حالة وطنية واحدة. بل تجمع عقودا من البحث لتقديم صورة أوسع عن كيفية تشكل ضغوط الاستخراج عبر المناطق. ويضم فريق المؤلفين 26 باحثا دوليا يعملون على تعدين رمال الأنهار ونقل الرسوبيات والدلتا والبيئة والاستدامة، ما يعكس الطابع متعدد التخصصات الذي بلغته هذه القضية.
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية لأن استخراج رمال الأنهار غالبا ما يكون ضعيف القياس. وتؤكد المراجعة أنه حيث توجد مراقبة موثوقة، فإن الإفراط في الاستخراج أمر شائع. وهذا يعني أن المناطق التي تعاني من ضعف القياس قد تواجه مشكلات مماثلة من دون حصر واضح لحجمها. وبعبارة أخرى، لا ينبغي اعتبار غياب البيانات دليلا على غياب الخطر.

كما تعزز الورقة تحولا أوسع في الحوكمة البيئية: لم يعد من الممكن إدارة استخراج الموارد عبر تتبع العرض والطلب على المدى القريب فقط. ففي النظم النهرية، يعتمد الاستخدام المستدام على فهم معدلات التجدد وديناميات القنوات والآثار الأوسع على المناظر الطبيعية والمستوطنات المحيطة.
الرسالة السياسية عملية
لا يقدم الباحثون المشكلة بوصفها غير قابلة للحل. وتتمثل توصيتهم الرئيسية في أن تحسن الحكومات طريقة تتبع الاستخراج وتنظيمه. ويبدأ ذلك بتحديد أماكن التعدين، وقياس كمية المواد التي تُزال، ووضع حدود تستند إلى مقدار الرسوبيات التي تستطيع الأنهار تعويضها طبيعيا.
وهذا معيار أكثر صرامة من مجرد منح التراخيص. فهو يتطلب ميزانيات رسوبية ومراقبة مستمرة وقواعد تعكس سلوك الأنهار لا طلب السوق فقط. وبالنسبة إلى صانعي السياسات، توحي المراجعة بأن حدود الاستخراج يجب أن تقوم على حقائق جيوفيزيائية. وبالنسبة إلى الصناعة والسلطات المحلية، فهذا يعني أن الوصول القانوني إلى الرمل ليس هو نفسه الوصول المستدام.
وتأتي هذه الرسالة في وقت تتقاطع فيه التكيفات المناخية مع توسع البنية التحتية في كثير من المناطق. فالدول تحتاج إلى طرق وسكن وحماية من الفيضانات وبنية تحتية للطاقة، وكلها قد تستهلك كميات كبيرة من الركام. لكن تدهور الأنهار يمكن أن يقوض هذه الأهداف التنموية نفسها عبر زيادة التعرية وإضرار روابط النقل وإضعاف أنظمة المياه. ولذلك تقدم المراجعة حوكمة الرمل بوصفها قضية بيئية واقتصادية في آن واحد.
مورد يسهل إغفاله
بالمقارنة مع النفط أو المعادن الحرجة أو المياه العذبة، نادرا ما تحظى الرمال باهتمام سياسي على المستوى الأعلى. ومع ذلك، توضح المراجعة أن رمال الأنهار ليست موردا لا نهائيا عندما يتركز الاستخراج في نظم هشة. فالمشكلة لا تتعلق بندرة عالمية مجردة بقدر ما تتعلق بالمكان الذي تؤخذ منه المواد، وبالسرعة التي تُزال بها، وما إذا كانت الأنهار تملك فرصة واقعية للتعافي.
وقد يؤثر هذا التصور في الطريقة التي تفكر بها الحكومات والمخططون في الإمدادات المستقبلية. فالمحاسبة الأفضل قد تدفع مزيدا من المناطق إلى مصادر بديلة للركام، أو إلى ضوابط أشد على استخراج الأنهار، أو إلى تطبيق أقوى للقوانين حيث ينتشر التعدين غير الرسمي أو غير القانوني. وقد يشجع أيضا تخطيط البنية التحتية على التعامل مع النظم الرسوبية باعتبارها أصولا طبيعية حيوية، لا مجرد نواتج عرضية لجريان الأنهار.
وتكمن الأهمية الأوسع للمراجعة في أنها تربط الطلب على البناء بالتغير الجيومورفولوجي بطريقة يصعب تجاهلها. فالأنهار تساعد في بناء المدن، لكن المراجعة تشير إلى أن كثيرا منها يُستنزف في هذه العملية. وإذا استمر الاستخراج في تجاوز معدلات التجدد، فلن تظل التكاليف محصورة في قيعان الأنهار، بل ستظهر في بنية تحتية متضررة ونظم بيئية مرهقة ومجتمعات تتعرض لمجالات مائية أكثر عدم استقرارا.
- حللت المراجعة 411 دراسة محكمة نُشرت منذ عام 1974.
- حيث تتوافر قياسات موثوقة، يتجاوز الاستخراج غالبا الإمداد الطبيعي من الرسوبيات بعدة مرات.
- تشمل الآثار المبلغ عنها تعمق قيعان الأنهار، وضعف الضفاف، وانخفاض المياه الجوفية، وتراجع جودة المياه، وتسلل مياه البحر.
- يوصي المؤلفون بتتبع الاستخراج وقياس الأحجام المزالة ووضع حدود تستند إلى التجدد الطبيعي.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on phys.org
