قد تُعاش السياسة بوصفها شعوراً يطال الجسد كله
إذا كانت الحياة السياسية تبدو مرهقة جسدياً بطريقة لا تشبه الإحباطات العادية، فإن دراسة جديدة تشير إلى أن هذا الإحساس ليس مجرد انطباع. فقد وجد الباحثون أن المشاعر التي تثيرها القضايا السياسية تُحَسّ في الجسد بطريقة مختلفة عن المشاعر نفسها في الحياة اليومية، وغالباً ما تكون أشد وأقدر على دفع الناس إلى الفعل.
الدراسة، التي تناولها New Scientist وقادها باحثون من بينهم مانوس تساكايريس في جامعة رويال هولواي، طلبت من نحو 1,000 شخص أن يحددوا على مخططات أجساد أين وبأي شدة يشعرون بمشاعر مثل الغضب والاشمئزاز والأمل. ثم كرر المشاركون التمرين أثناء قراءة كلمات مرتبطة بقضايا سياسية مشحونة عاطفياً، بما في ذلك الإرهاب والجريمة.
من خريطة الشعور إلى الخريطة الحرارية السياسية
استُخدمت الإجابات لإنشاء خرائط حرارية رقمية للجسد تُظهر أين يُحَسّ كل شعور، ومدى شدته، وما إذا كان يدفع إلى الفعل أم إلى الانسحاب. وقد أشارت أبحاث سابقة إلى أن كثيراً من المشاعر تنتج أنماطاً جسدية متسقة على نحو مفاجئ عبر الأشخاص والثقافات. فالاكتئاب، على سبيل المثال، يظهر غالباً بوصفه تعطلاً جسدياً واسع النطاق، بينما يميل الغضب إلى الظهور كإحساس نشط في الصدر والرأس والذراعين.
وأعادت الدراسة الجديدة هذه الأنماط العامة إلى حد كبير، لكن السياسة غيّرت بعضها بشكل ملحوظ. فاشمئزاز السياسة، مثلاً، ظهر بوصفه إحساساً أعلى طاقة في الجزء العلوي من الجسد بدلاً من أن يتركز في البطن كما يحدث عادة في الاشمئزاز غير السياسي. وقال تساكايريس إن الاشمئزاز السياسي يشبه الغضب أكثر.
لماذا قد تعبئ المشاعر السياسية الناس
تكتسب هذه النتيجة أهميتها لأن الاشمئزاز والغضب لهما دلالات اجتماعية مختلفة. فإذا كان الاشمئزاز السياسي يبدو في الجسد أقرب إلى الغضب، فقد يكون أكثر ميلاً إلى دفع الناس إلى الفعل بدلاً من الانسحاب الشخصي. ووجدت الدراسة أيضاً أن الاكتئاب المرتبط بالسياسة بدا أكثر تحفيزاً من الاكتئاب العادي، مع أحاسيس أشد في الجذع والأطراف.
بعبارة أخرى، قد لا تجعل السياسة الناس يشعرون بالسوء فحسب، بل قد تجعلهم يشعرون بالتحفز أيضاً. وهذا قد يفسر لماذا يمكن للأحداث السياسية أن تولد احتجاجاً واضطراباً وسلوكاً جماعياً عالي الانخراط حتى عندما تكون المشاعر الأساسية سلبية. وربما تكون الشدة الجسدية جزءاً من الآلية التي تحول القضايا المجردة إلى فعل.
المفارقة العاطفية للديمقراطية
قال تساكايريس لـ New Scientist إن «الشعور أكثر» قد يكون جيداً للديمقراطية، بينما يعتمد «الشعور أفضل» أولاً على فهم ما يشعر به المرء ثم تعلم الاستجابة بدلاً من رد الفعل. هذا يلخص المفارقة في قلب الدراسة. فالحياة الديمقراطية قد تتطلب انخراطاً عاطفياً، لكن القوة نفسها التي تنشط المشاركة قد تطغى أيضاً على الحكم.
العنصر الجسدي مهم هنا لأنه يشير إلى أن الحمل السياسي الزائد ليس معرفياً فقط. فالناس لا يعالجون المعلومات والآراء فحسب، بل قد يتعاملون مع حالات تشمل الجسد كله وتدفعهم نحو الإلحاح أو الصراع أو الإرهاق. وقد يؤدي إدراك ذلك إلى تغيير الطريقة التي نفكر بها في استهلاك الإعلام ورسائل الحملات والمرونة المدنية.
ما الذي تقوله الدراسة وما الذي لا تقوله
لا تثبت الدراسة سبب اختلاف المشاعر السياسية فسيولوجياً، ويشير المقال إلى أن السبب لا يزال غير واضح. ويطرح تساكايريس بعض التفسيرات المحتملة، لكن النتيجة الحالية وصفية في الأساس: يبدو أن السياسة تعيد تشكيل البصمة الجسدية لبعض المشاعر.
ومع ذلك، فهذه النتيجة الوصفية مفيدة. فهي توفر إطاراً لفهم سبب شعور الانخراط السياسي الحديث بأنه مختلف نوعياً عن الحياة العاطفية اليومية. ففي بيئة مشبعة بلغة الأزمة والصراع الهوياتي والتحديثات المستمرة، قد يكون التنشيط الجسدي جزءاً مما يبقي الانتباه السياسي ثابتاً.
عدسة مفيدة في عصر الانغماس السياسي المستمر
تكمن قيمة الدراسة أقل في دعوة الناس إلى الانسحاب وأكثر في توضيح كلفة البقاء منخرطين. فإذا كان الشعور السياسي يميل إلى الانتشار بقوة أكبر في الجسد، فالتحدي ليس إلغاء الشعور، بل إدراك متى يبدأ الانتباه المدني بالانزلاق إلى حمل فسيولوجي زائد.
وهذا يحمل دلالات تتجاوز الرفاه الشخصي بكثير. فالمجتمعات تعتمد بشكل متزايد على مواطنين قادرين على استيعاب تدفق لا يتوقف من المحفزات السياسية. وقد يصبح فهم كيفية الإحساس بهذه المحفزات، لا مجرد تفسيرها، جزءاً مهماً من فهم السلوك الديمقراطي نفسه.
هذه المقالة مبنية على تقرير من New Scientist. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on newscientist.com

