اختصار زلزالي إلى أحد أثمن موارد القمر
تشير دراسة جديدة إلى أن إحدى أفضل الأدوات للعثور على مياه قابلة للاستخدام على القمر قد لا تكون كاميرا أو مثقابا أو ماسحا مدارا، بل جهاز قياس الزلازل. ويقول باحثون من جامعة ماريلاند، ومختبر لورانس بيركلي الوطني، وجامعة هاواي إن الموجات الزلزالية يمكن استخدامها لتحديد موقع الجليد المدفون تحت سطح القمر ورسم خرائط له، ولا سيما في منطقة القطب الجنوبي للقمر.
تأتي هذه الدراسة في لحظة حاسمة لاستكشاف القمر. إذ يستهدف برنامج Artemis التابع لناسا القطب الجنوبي للقمر لمهام مأهولة في عام 2028، ويُنظر على نطاق واسع إلى الجليد المائي المدفون بوصفه أحد أهم الموارد المحلية استراتيجيا لدعم الاستكشاف المستدام. وإذا تمكن رواد الفضاء من العثور على ذلك الجليد واستخدامه، فقد يتمكنون من تقليل كمية الماء والأكسجين والمواد الأولية للوقود التي يتعين على المهام المستقبلية إطلاقها من الأرض.
ونُشرت الدراسة في 31 يوليو 2026 في مجلة Science Advances، وتركز على مشكلة شغلت علم القمر لسنوات: معرفة ليس فقط ما إذا كان الجليد موجودا، بل أين يوجد، وعمق وجوده، وكيف يتوزع تحت السطح. ويمكن للملاحظات المدارية الحالية فحص أعلى طبقة من تربة القمر، لكنها لا تكشف مباشرة عما قد يكون مخفيا في الأعماق داخل التضاريس دائمة الظل.
لماذا يهم القطب الجنوبي
تحظى فوهات القطب الجنوبي للقمر باهتمام غير عادي لأن بعضها يحتوي على مناطق ظلام دائم. وتبقى هذه المناطق شديدة البرودة إلى درجة قد تسمح ببقاء الجليد المائي فيها لفترات طويلة جدا. وبالنسبة لمخططي المهام، تجعل هذه الإمكانية المنطقة أكثر من مجرد هدف علمي، بل تحولا إلى مركز لوجستي محتمل للعمليات طويلة المدة.
والحجة العملية واضحة. فعندما يذوب الجليد ويُنقى يمكن أن يصبح ماء شرب. وإذا فُصل بالكهرباء، يمكن أن ينتج أكسجينا للتنفس وهيدروجينا يمكن استخدامه في إنتاج الوقود. وفي بيئة قمرية يحمل فيها كل كيلوغرام يطلق من الأرض كلفة وتعقيدا كبيرين، فإن وجود إمداد محلي متاح سيغير تصميم المهام.
وتوضح الدراسة هذا السياق بجلاء. فبحسب نيكولاس شمير، الأستاذ المشارك في جامعة ماريلاند وأحد مؤلفي الورقة، فإن تحديد المواد التي يمكن لرواد الفضاء استخدامها على القمر أمر بالغ الأهمية لأن الطواقم ستكون محدودة بالموارد التي تحملها معها. والفكرة الأساسية وراء هذا العمل الجديد هي أن التربة القمرية المتجمدة والجافة تستجيب للاهتزازات بشكل مختلف، وقد تكون هذه الفروق قابلة للقياس.
الاستماع إلى الجليد بدلا من البحث عنه
تُعد الموجات الزلزالية أداة مألوفة على الأرض، حيث تساعد العلماء على دراسة الزلازل واستنتاج بنية باطن الأرض. وتطبق الدراسة الجديدة هذا المنطق على القمر. فبدلا من الاعتماد فقط على الإشارات السطحية، يرى الباحثون أن الاهتزازات التي تنتقل عبر الأرض قد تكشف الجليد المدفون لأن سلوك الموجات يتغير بحسب المواد الموجودة في الأسفل.
ويكتسب هذا أهمية لأن البحث عن مياه القمر انتقل تدريجيا من سؤال الوجود إلى سؤال الاستخراج. فقد حدد الاستشعار عن بعد بيئات قطبية واعدة، لكن مصممي المهام يحتاجون إلى معلومات أدق من مجرد مؤشرات عامة من المدار. وأي طريقة تساعد على التمييز بين الأرض المتجمدة والريغوليث الجاف في العمق ستوفر خريطة أكثر قابلية للتنفيذ للهبوطات والعربات الجوالة، وفي نهاية المطاف للطواقم البشرية.

ولا تدعي الدراسة أن مشكلة الجليد قد حُلَّت. بل تشير إلى طريقة مسح يمكن أن تحسن كيفية استكشاف المهام المستقبلية للباطن. وعمليا، يمكن للنهج الزلزالي أن يكمل بيانات المدار بدلا من أن يحل محلها. فقد تحدد المركبات الفضائية المناطق الواعدة من الأعلى، بينما تعمل الأدوات على السطح أو قربه على تنقيح الصورة تحت الأرض.
ويكتسب هذا النهج الطبقي أهمية خاصة عند القطب الجنوبي، حيث تفرض التضاريس والإضاءة ودرجة الحرارة تحديات تشغيلية غير معتادة. وتُعد المناطق دائمة الظل جذابة علميا تحديدا لأنها تحفظ المواد المتطايرة، لكن تلك الظروف نفسها تعقد الفحص المباشر. وقد يوفر النهج الذي يعمل عبر الاهتزازات طريقة أقل اعتمادا على الرؤية لفحص التضاريس الصعبة.
ما الذي يغيره هذا البحث في تخطيط Artemis
الأهمية الفورية للبحث ليست أن رواد الفضاء على وشك الاستفادة من خزان جليدي، بل أن الطريق إلى العثور على واحد قد يصبح أوضح. يعتمد تخطيط حقبة Artemis على تضييق نطاق عدم اليقين. فمعرفة أن البيئة القطبية تحتوي على جليد مفيد على الأرجح شيء، أما تحديد المواقع المحددة التي ينبغي أن تهبط فيها المهام أو تقيس أو تحفر أو تبني البنية التحتية الداعمة في نهاية المطاف فشيء آخر.
وإذا استطاعت الاستشعار الزلزالي أن تساعد في التمييز بين هذين الأمرين، فإنها تصبح أكثر من مجرد تجربة علمية. إنها تتحول إلى أداة تخطيط عملياتي. وقد يؤثر ذلك في كيفية تفكير الوكالات في حمولات المهام التمهيدية، وأين تنشر الأدوات القمرية، وكيف تحدد أولويات بيئات الفوهات للدراسة اللاحقة.
والتوقيت لافت. فمع التخطيط لاستكشاف مأهول للقطب الجنوبي في عام 2028، تنتقل الأبحاث التي تعزز أساليب التنقيب عن الموارد من قيمة نظرية إلى أهمية قريبة الأجل. وحتى التحسينات التدريجية في رسم خرائط الباطن قد تحقق عوائد كبيرة عندما تكون نوافذ المهام وفرص الهبوط وسعة الحمولة شديدة التقييد.
وتبرز الدراسة أيضا تحولا أوسع في استراتيجية استكشاف القمر. فلم يعد جليد الماء يُعامل فقط بوصفه فضولا علميا مرتبطا بتاريخ القمر، بل صار يُطرح بشكل متزايد باعتباره بنية تحتية. لذلك، فإن القدرة على تحديد موقعه بصورة موثوقة هي جزء من التحدي الأكبر المتمثل في جعل القمر مكانا تستطيع فيه المهام البقاء مدة أطول، والقيام بالمزيد، والاعتماد بدرجة أقل على الإمداد من الأرض.
من علم القمر إلى عمليات القمر
في الوقت الراهن، تضيف الورقة الجديدة طريقة واعدة إلى مجموعة الأدوات بدلا من أن تقدم خريطة مكتملة إلى الأرشيف. لكن ذلك وحده ذو مغزى. فقد يعتمد مستقبل استكشاف القطب الجنوبي ليس فقط على الوصول إلى القمر، بل على تحديد الجيوب الدقيقة ذات القيمة المختبئة داخل أحد أقسى بيئاته.
وبهذا المعنى، تلتقط الدراسة موضوعا متكررا في المرحلة التالية من رحلات الفضاء: التقدم يأتي بصورة متزايدة من تحويل الأدوات العلمية الكلاسيكية إلى أنظمة تشغيلية. وعلى القمر، قد يكون الاستماع بعناية إلى الأرض أحد أسرع الطرق لفهم ما هو مدفون تحتها.
- نُشرت الدراسة في Science Advances في 31 يوليو 2026.
- يضم فريق البحث علماء من جامعة ماريلاند، ومختبر لورانس بيركلي الوطني، وجامعة هاواي.
- يستهدف برنامج Artemis التابع لناسا منطقة القطب الجنوبي القمري للهبوط المأهول في عام 2028.
هذه المقالة تستند إلى تقرير Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on phys.org


