في أحد مؤتمرات الألعاب حوالي عام 2010، طرح مصمم ألعاب الطاولة جيمس إرنست سؤالًا يبدو خفيفًا على عالم الرياضيات إريك هارشبَرغر خلال العشاء: هل يمكن لأحد أن يصنع مجموعة من النرد تتيح لكل لاعب في مجموعة، سواء كانت من اثنين أو اثني عشر، أن يرمي مرة واحدة فقط للحصول على فرصة متساوية تمامًا ليبدأ أولًا؟ كان الطلب أكثر صرامة مما يبدو. لا تعادلات. لا إعادة رمي. مجرد رمية واحدة لكل لاعب، وقرار عشوائي بالكامل، لكنه عادل تمامًا.
لم يكن هارشبَرغر، وهو الآن عالم رياضيات في جامعة أوبرن في ألاباما، قادرًا على الإجابة تلك الليلة. لكن السؤال ظل عالقًا لأكثر من عقد. وأصبح يُعرف باسم مشكلة “نرد من يبدأ أولًا”، وهي أحجية تمزج بين التوافقيات والهندسة والعشوائية اليومية في ألعاب الطاولة. والآن، بعد خمسة عشر عامًا من التعاون المتقطع، أعلن هارشبَرغر ومجموعة من أصدقائه الرياضيين الحل: مجموعة من خمسة نردات من 60 وجهًا يمكنها تحديد ترتيب الأدوار بعدالة تامة لأي عدد من اللاعبين.
المشكلة التي تبدو سهلة
للوهلة الأولى، يبدو التحدي بسيطًا. لتجنب التعادلات، يكفي وضع رقم فريد على كل وجه من وجوه كل نرد. ومع خمسة نردات من 60 وجهًا، يعني ذلك نقش الأرقام من 1 إلى 300، بحيث يظهر كل رقم مرة واحدة فقط. أي لاعب يحصل على 300 يفوز بالطبع، وبما أنه لا يمكن للاعبين اثنين أن يرما الرقم نفسه، فإن التعادل مستحيل. لكن “العدالة” شرط أكثر تطلبًا من مجرد منع التكرار.
تظهر الدقة عندما تسأل عما يحدث لأي مجموعة فرعية من اللاعبين. يجب أن تُصمم النردات بحيث تكون لدى كل لاعب في مجموعة من اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فرصة متساوية تمامًا لرمي أعلى رقم. إذا وُزعت الأرقام بشكل غير متساوٍ، فقد تصبح إحدى النردات أكثر احتمالًا لإنتاج رقم كبير، ما يمنح من يختارها أفضلية غير عادلة. وشرح هارشبَرغر الأمر هكذا: “الشيء السهل هو تجنب التعادلات؛ فقط تضع أرقامًا مختلفة على جميع النردات. المشكلة تكمن في كيفية توزيع تلك الأرقام المختلفة بين النردات بحيث تتساوى الاحتمالات، ليس للمجموعة كلها فحسب، بل لأي مجموعة فرعية أيضًا.”
وهذا هو ما جعل اللغز صعبًا على نحو خادع. فالتوزيع العشوائي للأرقام بين النردات نادرًا ما يحقق شرط العدالة لكل مجموعة فرعية. وحتى الترتيب الذي يبدو متوازنًا قد يفشل عندما تقارن نردين فقط ببعضهما. ولتحقيق عدالة حقيقية، يجب ترتيب الأرقام بدقة رياضية، مع موازنة القيم العالية والمنخفضة على كل نرد بحيث يكون كل نرد، عمليًا، متكافئ القوة.

رحلة رياضية استمرت 15 عامًا
ظهرت الفكرة أولًا في عشاء ذلك المؤتمر، لكن هارشبَرغر لم يلاحقها بإلحاح محموم. بل بقيت كمشروع “غير رسمي” يتبادله الأصدقاء والرياضيون وهواة الألغاز، الذين كانوا يعودون إليها في المؤتمرات والمنتديات الإلكترونية. وما جعل المشكلة جذابة لم يكن فقط فائدتها العملية، بل أيضًا عمقها النظري.
تصميم مجموعة عادلة من النرد مرتبط بمفهوم معروف في الاحتمالات يُسمى “النردات غير التبادلية”. عادةً، يمكن لمجموعة نردات أن تُنتج دورة شبيهة بحجر-ورقة-مقص، حيث يهزم النرد A النرد B، والنرد B يهزم النرد C، والنرد C يهزم النرد A. لكن مشكلة نرد من يبدأ أولًا تطلب شيئًا أقوى: تماثلًا كاملًا بين جميع النردات، بحيث لا يكون أي نرد أضعف أو أقوى من غيره. بلغة الرياضيات، يجب أن تكون النردات “قابلة للتبادل” بمعنى احتمالي. فلكل زوج من النردات، يجب أن تكون فرصة كل منهما في رمي الرقم الأعلى متساوية، ويجب أن ينطبق ذلك على أي ثلاثية أو رباعية أو على المجموعة كاملة.
على مدى سنوات، جرّب المتعاونون أساليب مختلفة: خوارزميات بحث تكرارية، ومتباينات توافقية، والكثير من التخمين الذكي. لكن البحث بالقوة الغاشمة لم يكن ممكنًا. فعدد التخصيصات المحتملة لـ300 رقم على 300 وجه هائل إلى درجة لا تُصدق، ولم تكن هناك تماثلات واضحة تبسط البحث. وكان التقدم يأتي على دفعات. أحيانًا يظهر مرشح واعد، ثم يفشل عند اختباره ضد مجموعة فرعية معينة. وفي أحيان أخرى، يثبت الفريق لماذا لا يمكن لفئة كاملة من التصاميم أن تعمل، فيضيق نطاق البحث.
وبحسب هارشبَرغر، ساهم كثير من الرياضيين والهواة بالأفكار، حتى لو لم تظهر أسماؤهم في الورقة النهائية. وقال هارشبَرغر لـLive Science: “لقد كانت حقًا جهودًا مجتمعية. كان الناس يجلبون أجزاء مختلفة من اللغز، ثم نبدأ ببطء في تجميع صورة لما هو ممكن وما ليس ممكنًا”. وكانت العملية أقرب إلى تحسينات متواصلة صغيرة منها إلى لحظة إلهام مفاجئة.
التصميم الفائز
بعد خمسة عشر عامًا من العمل، اكتشف الفريق أخيرًا حلًا كاملًا: خمسة نردات من 60 وجهًا، كل واحد منها مجسم متعدد الأوجه يُعرف باسم الهيكسكونتاhedron، محفور عليها مجتمعة الأرقام من 1 إلى 300، من دون تكرار. توزيع الأرقام على النردات ليس عشوائيًا؛ بل هو ترتيب مصمم بعناية يجعل كل نرد يملك الاحتمال نفسه تمامًا في الفوز على أي نرد آخر، وكذلك الاحتمال نفسه في أن يكون الأعلى داخل أي مجموعة فرعية أكبر.
ولعرض هذا الإنجاز علنًا، طلب هارشبَرغر أو صنع خمسة نماذج خشبية عملاقة من النرد، نُحت كل واحد منها من نوع مختلف من الخشب. تساعد هذه النماذج المكبرة الناس على تصور تعقيد هذا الجسم. فالنرد ذو الـ60 وجهًا يبدو شبه كروي، والتعامل معه يوضح مدى التطور الهندسي الذي تطلبه التصميم. وتُعرض هذه النسخ الفنية الآن بشكل دائم في مبنى الرياضيات الجديد بجامعة أوبرن، بوصفها احتفالًا وإلهامًا للطلاب الذين قد يحلون ألغازًا رياضية خاصة بهم يومًا ما.

يحمل الاكتشاف آثارًا فورية على مصممي ألعاب الطاولة. فبدلًا من استخدام قواعد معقدة لترتيب الأدوار، يمكن للاعبين ببساطة أن يأخذوا واحدًا من النرد الخمسة ويرمونه. ويعمل النظام مع أي عدد من اللاعبين من واحد إلى خمسة. إذا كان هناك لاعبان، يختار كل منهما نردًا ويرميه؛ الرقم الأعلى يفوز. ومع خمسة لاعبين، تحدد الرميات نفسها من يبدأ، ويحصل كل لاعب على فرصة واحدة من خمسة للفوز. وحتى مع ستة لاعبين أو أكثر، فإن النرد سيعمل إذا سمحت بالتعادل؟ لا، التصميم يضمن عدم وجود تعادلات، لكن المشكلة تطلب فقط العدالة داخل المجموعة الكاملة. ومع ذلك، فإن إنجاز الفريق يعالج تحديدًا المجموعات حتى خمسة، لأن كل مجموعة تحتوي على خمسة نردات.
ومن الجدير بالذكر أن الضمان يبقى قائمًا حتى عندما يختار اللاعبون النردات استراتيجيًا. وبما أن كل نرد عادل في مواجهة كل نرد آخر، فلا توجد ميزة متأصلة لأي نرد. قد يحاول لاعب التنبؤ بأي نرد سيختاره الآخر، لكن بما أن جميع النردات متناظرة، فلا توجد وسيلة لاكتساب أفضلية من خلال الاختيار. وهذه هي الخاصية التي تجعل التصميم لافتًا إلى هذا الحد: فهو يحول أداة تبدو بسيطة إلى مولد عشوائي محايد تمامًا.
لماذا 60 وجهًا؟
لماذا احتاج الحل إلى نردات من 60 وجهًا بدلًا من مكعبات قياسية من ستة أوجه؟ الجواب يكمن في رياضيات العدالة. ولكي تكون مجموعة النردات غير متحيزة تمامًا لأي مجموعة فرعية، يجب أن يكون عدد الوجوه كبيرًا بما يكفي للسماح بتوزيع متوازن للغاية للقيم. ومع ستة أوجه فقط، يستحيل توزيع 30 رقمًا (للمجموعة ذات النردات الخمسة) بطريقة تعادل الاحتمالات لكل مجموعة فرعية. وتوفر هندسة النرد ذي الـ60 وجهًا عددًا كافيًا من الوجوه للسماح بعملية الموازنة الدقيقة التي تتطلبها المشكلة.
يُعد عمل هارشبَرغر مثالًا أنيقًا على كيف يمكن للرياضيات البحتة أن تنبثق من سؤال مرح. فما بدأ كنكتة في مؤتمر ألعاب تحول إلى جهد بحثي جاد تناول نظرية الاحتمالات والتوافقيات وهندسة المجسمات. وفي النهاية، أنتج شيئًا ملموسًا: مجموعة نردات يمكن للاعبين أن يمسكوها ويرموها ويثقوا بها.
إن النردات الخشبية الخمسة الموجودة في مبنى الرياضيات في أوبرن ليست مجرد قطع أثرية؛ بل هي دليل ملموس على أن بعض المشكلات تحتاج إلى الصبر، والتعاون، والاستعداد لمواصلة رمي النرد.
هذا المقال يستند إلى تقرير Live Science. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on livescience.com

