أرشيف مناخي في المرتفعات يكشف انفصالا حديثا عن الماضي

يقول باحثون درسوا الرواسب من بحيرة نام كو على هضبة التبت إن التاريخ الحديث للبحيرة يقف الآن منفصلا عن التقلبات المناخية الطبيعية التي شكلتها لما يقرب من 1000 عام. وتشير إعادة البناء التي أجروها إلى أن الاحترار والتلوث في العصر الصناعي غيّرا النظام البيئي للبحيرة بطرق تختلف عن الأنماط التي لوحظت خلال التغيرات السابقة المدفوعة بالرياح الموسمية.

يركز العمل على نام كو، وهي ثالث أكبر بحيرة على هضبة التبت، وهي منطقة غالبا ما تُعامل كنظام إنذار مبكر لتغير المناخ لأنها تضم من الثلج والجليد أكثر من أي منطقة خارج المناطق القطبية. وعلى ارتفاع 4720 مترا فوق مستوى سطح البحر وتمتد على نحو 2000 كيلومتر مربع، تقع البحيرة في بيئة يمكن أن تحفظ فيها التغيرات البيئية سجلا مفصلا لتحولات الحرارة والهطول والمدخلات الجوية.

وبحسب الباحثين، فإن هذا السجل يشير الآن إلى تحول ملحوظ. فقد شكلت العوامل المناخية الطبيعية، ولا سيما التغيرات في هطول الأمطار الموسمية في جنوب آسيا، البحيرة على مدى قرون. لكن العصر الصناعي يبدو أنه أدخل ضغوطا جديدة، بما في ذلك الاحترار الناجم عن النشاط البشري والتلوث، وهي تترك بصمة مميزة في الرواسب وفي الاستجابة البيئية للبحيرة.

كيف أعاد الفريق بناء ألف عام من التغير

ولفهم التاريخ البيئي للبحيرة، استخدم الفريق نوى الرواسب بوصفها أرشيفا طباقيا. واستُخدمت مؤشرات جيوكيميائية، بما فيها التيتانيوم، لتتبع تقلبات هطول الأمطار الموسمية. وساعدت الأدلة البيولوجية المحفوظة في الرواسب، مثل الدياتومات الأحفورية والأصباغ، على توثيق كيفية استجابة النظام البيئي للبحيرة مع مرور الوقت.

وجمعت الدراسة بين تلك السجلات ونهج لبصمة المناخ صُمم لفصل المحركات المناخية الطبيعية عن التأثيرات البشرية الأحدث. وهذا مهم في منطقة تتداخل فيها قوى متعددة: تقلبات الرياح الموسمية، وتغيرات أوسع في دوران الغلاف الجوي، ودرجات الحرارة المتزايدة، ونقل التلوث لمسافات بعيدة، وجميعها يمكن أن تؤثر في ظروف البحيرة.

ويقول الباحثون إن هذا النهج متعدد المؤشرات أنتج جدولا زمنيا مفصلا للتغير البيئي في نام كو. وعمليا، أتاح لهم مقارنة فترات سابقة من التقلب المناخي بالعصر الحديث، بدلا من التعامل مع كل التغيرات بوصفها جزءا من نمط واحد متصل.

آثار الصناعة في برج مياه آسيا
بحيرة نام كو. الائتمان: Wengang Kang

ويشكل هذا التمييز جوهر أهمية الدراسة. فكثيرا ما توصف بحيرات هضبة التبت بأنها شديدة الحساسية للتأثيرات المناخية، لكن الحساسية وحدها لا تُظهر ما إذا كانت التغيرات الحديثة ما تزال ضمن نطاق التباين الطبيعي السابق. وتجادل إعادة البناء الجديدة بأن التحولات الأخيرة تعكس بصورة متزايدة تأثيرا بشريا متراكبا فوق السلوك المناخي الطبيعي.

لماذا تهم بحيرات التبت ما وراء الهضبة

تلعب هضبة التبت والمنطقة المجاورة لها من هندوكوش-كاراكورام-الهيمالايا دورا يفوق حجمها بكثير في أنظمة المياه والمناخ في آسيا. فالثلج والجليد وأنماط الرياح الموسمية والنظم البيئية المرتفعة هناك مترابطة بشدة، ويمكن لأي تغير في جزء من النظام أن يمتد أثره إلى الخارج. ولهذا تجذب بحيرات مثل نام كو قدرا كبيرا من الاهتمام العلمي: فهي تجمع إشارات من المناظر الطبيعية والجو المحيط.

ولأن الرواسب تتراكم تدريجيا، فإنها تستطيع حفظ أدلة على تغير بيئي طويل الأمد يصعب اكتشافه من السجلات الآلية القصيرة وحدها. وفي هذه الحالة، يمنح أرشيف البحيرة الباحثين وسيلة لمقارنة الظروف البيئية الحالية بتلك التي شوهدت عبر قرون من التذبذب المناخي الطبيعي.

وتؤكد الدراسة أيضا نقطة أوسع في علم المناخ. فالمواقع النائية ليست بمنأى عن آثار العصر الصناعي لمجرد أنها بعيدة عن المراكز السكانية الكبرى. إذ يمكن للتلوث أن ينتقل لمسافات طويلة عبر الغلاف الجوي، كما أن الاحترار يؤثر حتى في الأنظمة المعزولة المرتبطة بالغلاف الجليدي. والنتيجة هي أن البيئات التي تبدو بدائية نقية قد تصبح من أوضح الأماكن لرصد التغير الكوكبي واسع النطاق.

وهذا يساعد على تفسير سبب تقديم الباحثين لنام كو باعتبارها أكثر من مجرد دراسة حالة محلية. فإذا أظهرت بحيرة تبتيّة نائية انفصالا قابلا للقياس عن الأنماط الماضية، فإن ذلك يعزز الحجة القائلة إن التأثير البشري يتغلغل بعمق في النظم الجبلية الحساسة.

ما الذي تبدو النتائج أنه تكشفه

استنادا إلى ملخص الدراسة المقدم، خلص الباحثون إلى أن المحركات المناخية الطبيعية هيمنت على معظم الألفية الماضية، مع كون هطول الأمطار الموسمية عاملا رئيسيا في التحكم بالحالة البيئية للبحيرة. غير أن الاحترار والتلوث في العصر الصناعي أعادا تشكيل الظروف البيئية في السنوات الأخيرة بطرق تبدو غير متوافقة مع تلك الديناميات السابقة وحدها.

آثار الصناعة في برج مياه آسيا
أخذ عينات من الرواسب في بحيرة نام كو. الائتمان: Weng Kang

ولا يقدم النص المصدر المرفق كل النتائج الرقمية، لكنه يوضح اتجاه الدراسة بجلاء: إن استجابة النظام البيئي المحفوظة في رواسب نام كو تعكس دورا متزايدا للقوى البشرية. ويشمل ذلك ليس فقط تغير الحرارة، بل أيضا التفاعل بين الاحترار والتلوث الجوي.

وهذا مهم لأن النظم البيئية للبحيرات يمكن أن تستجيب عبر عدة قنوات في وقت واحد. فقد تكون التغيرات في الجريان السطحي، وذوبان الجليد، وكيمياء المياه، ودورات المغذيات، والمجتمعات الحيوية كلها مترابطة. ولا يمكن للسجل الرسوبي وحده أن يجيب عن كل الأسئلة الآلية، لكنه يستطيع أن يبين متى تبدأ الحالة العامة للنظام في التحول.

وبالنسبة لصناع السياسات والباحثين، فإن الدلالة واضحة. فمراقبة التغيرات الراهنة على هضبة التبت لا ينبغي أن تعتمد فقط على ملاحظات الطقس القصيرة الأجل أو قياسات الأنهار الجليدية. فالأرشيفات المناخية القديمة يمكن أن تكشف ما إذا كانت الاتجاهات الأخيرة جزءا من نمط متكرر أم دليلا على انتقال أكثر جوهرية.

تحذير من إحدى أكثر مناطق العالم حساسية

تضيف إعادة بناء نام كو إلى الأدلة المتزايدة على أن البيئات الآسيوية المرتفعة تستجيب بسرعة للتغيرات في العصر الصناعي. وتُعرف هضبة التبت بالفعل بأنها شديدة الهشاشة بسبب اعتمادها على الثلوج والجليد والهيدرولوجيا المرتبطة بالرياح الموسمية. ويزيد سجل بحيرة يظهر اضطرابا بيئيا يتجاوز التباين الطبيعي السابق من حجم المخاطر.

والرسالة الأوسع للدراسة ليست أن التباين المناخي الطبيعي أصبح غير ذي صلة. بل إنها تشير إلى أن التأثير البشري صار الآن قويا بما يكفي لتعديل أو تجاوز الأنماط التي حكمت النظام لقرون. وهذه دعوى أكثر أهمية من مجرد القول إن المنطقة تشهد احترارا؛ فهي تعني أن خط الأساس نفسه قد يكون في طور التحول.

وبالنسبة إلى بحيرة نائية تقع على ارتفاع يزيد على أربعة كيلومترات ونصف فوق مستوى سطح البحر، فإن هذا استنتاج لافت. أما بالنسبة للعلماء الذين يحاولون فهم كيف ستتغير آسيا الجبلية في العقود المقبلة، فهو تذكير بأن بعض أهم التحذيرات قد لا تُكتب في التوقعات الجوية، بل في طبقات الطين الراقدة بالفعل في قاع البحيرة.

تعتمد هذه المقالة على تقرير من Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on phys.org