الحرّ الشديد لم يعد استثنائيًا
تُوصَف موجات الحرّ على نحو متزايد بأنها كوارث قابلة للوقاية، لكن الأدلة الواردة في التغطيات الجديدة تشير إلى أن الحكومات لا تزال تتعامل معها كما لو كانت شذوذات قصيرة الأمد، لا تهديدات بنيوية متكررة. من الصعب تجاهل حجم المشكلة. ففي 12 مدينة أوروبية كبرى خلال صيف 2025، ارتبطت فترة من الحرّ الشديد امتدت 10 أيام بوفاة 2,300 شخص، نُسب 1,500 منها إلى تغير المناخ الذي رفع درجات الحرارة بمقدار 1°C إلى 4°C. وعلى الصعيد العالمي، كانت موجات الحرّ مسؤولة عن ما يقرب من نصف مليون وفاة سنويًا بين عامي 2000 و2019.
تُخرج هذه الأرقام الحرّ من خانة الطقس غير المريح. فهي تضعه إلى جانب أكثر الأخطار الروتينية فتكًا على كوكب يزداد سخونة. وعلى خلاف العواصف والفيضانات وحرائق الغابات، لا يأتي الحرّ غالبًا بالدراما البصرية نفسها. قد يترك البنية التحتية قائمة والشوارع سليمة، ومع ذلك يسبب وفيات واسعة النطاق. وهذا ما يجعل من السهل الاستهانة به سياسيًا واجتماعيًا، حتى عندما تكون كلفته التراكمية هائلة.
وتصبح حجة التعامل مع الحرّ بوصفه كارثة يومية أقوى عندما ننظر إلى ما يتجاوز الوفيات وحدها. فقد أسهمت موجات الحرّ الأوروبية في عام 2025 أيضًا في ذوبان الأنهار الجليدية وساعدت على دفع أكبر مساحة حرائق غابات مسجلة في المنطقة، وفقًا للتقرير المشار إليه في المادة المصدر. والإشارة المناخية لا تقتصر على قطاع واحد. إنها تمر عبر الصحة والمياه والنظم البيئية والعمل والاستجابة الطارئة في الوقت نفسه.
لماذا لا تكفي خطط الحرّ الحالية
طبّقت ما لا يقل عن 47 دولة خطط عمل لمواجهة الحرّ، بما في ذلك خطط وطنية في المملكة المتحدة وخطط على مستوى المدن في الهند. وتعتمد هذه الخطط عادة على الإنذار المبكر، والتنسيق بين الجهات الصحية والاجتماعية، ورسائل عامة تحث الناس على البقاء في أماكن باردة، وشرب الماء، وتقليل الجهد، وارتداء ملابس أخف.
على الورق، تبدو هذه خطوات معقولة. لكن المقال يجادل بأنها قد تكون سطحية إذا افترضت أن الجميع يملك القدرة نفسها على اتباعها. فنصح الناس بالبقاء في بيئة باردة أمر بسيط فقط إذا كان بإمكانهم الوصول إلى واحدة. وإخبار العمال بتجنب المجهود الشاق قليل الفائدة إذا كان دخلهم يعتمد على العمل في الهواء الطلق أو إذا كانت حماية أماكن العمل ضعيفة. وقد تبدو إرشادات الحرّ شاملة بينما تعمل انتقائيًا إذا تجاهلت هذه القيود.
وهنا يختلف الحرّ عن كثير من الأخطار الأخرى. فهو لا يفرض دائمًا انقطاعًا واضحًا في الحياة اليومية. فقد تبقى المدارس مفتوحة، وتواصل الحافلات عملها، ولا تزال المكاتب تتوقع الحضور. ونتيجة لذلك، يُترك الناس غالبًا للتعامل مع الظروف الخطرة بشكل فردي. وينتقل عبء التكيف من المؤسسات إلى الأسر والعمال والسكان الأكثر هشاشة.
عدم المساواة يحدد مستوى التعرض
يجعل النص الأصلي عدم المساواة في قلب قصة الحرّ، وهذه من أهم نقاطه. فالأشخاص الأكبر سنًا يواجهون خطرًا أعلى لأن قدرتهم على تنظيم حرارة الجسم قد تكون أقل، ولأنهم أكثر عرضة لوجود حالات صحية مزمنة، ولأن بعضهم يفتقر إلى الدعم الاجتماعي أثناء الطوارئ. كما أن الدخل مهم أيضًا. فهو يحدد من يملك مكيفًا، ومن يستطيع تحمل كلفته، ومن يعيش في مساكن تحبس الحرارة.
ويضيف العمل طبقة أخرى. فبعض الناس يستطيعون اللجوء إلى أماكن داخلية مبرّدة أو العمل عن بُعد. بينما يقضي آخرون ساعات طويلة في الخارج أو في بيئات عمل حارة. وقد تكون موجة الحرّ نفسها مجرد إزعاج لفئة، لكنها تهدد صحة فئة أخرى ودخلها وبقاءها بشكل مباشر. وبهذا المعنى، فإن الحرّ الشديد ليس حدثًا جويًا فقط. إنه اختبار ضغط لجودة السكن، وحماية العمل، وقدرة الصحة العامة، والعزلة الاجتماعية.
هذا الإطار أساسي لأنه يوضح أن وفيات الحرّ ليست مجرد فشل في السلوك الفردي. بل هي غالبًا فشل في أنظمة تترك شرائح واسعة بلا وسائل عملية لحماية نفسها.
مشكلة طويلة الأمد بلا إعادة ضبط سريعة
سبب آخر قد يدفع الحكومات إلى إعادة التفكير في نهجها هو أن هذا الخطر ليس مؤقتًا بالمعنى التاريخي. فالمقال يذكر أنه حتى بعد تحقيق أهداف الانبعاثات، لن تعود موجات الحرّ إلى مستويات ما قبل الصناعة لمدة لا تقل عن 1,000 عام. هذا جدول زمني صارم. ويعني أن سياسات التكيف لا يمكن أن تُعامل كجسر نحو عودة قريبة إلى الخطوط الأساسية القديمة.
بدلًا من ذلك، يجب دمج القدرة على الصمود أمام الحرّ في التصميم اليومي للمدن والمؤسسات. ويشمل ذلك أنظمة الطوارئ، وكذلك معايير السكن، والظل الحضري، وإتاحة وسائل التبريد، وقواعد العمل، ومراقبة الصحة. وإذا بقي الحرّ مرتفعًا لقرون، فإن “الاستجابة للكوارث” وحدها إطار ضيق جدًا. فالحكومات تحتاج إلى بنية حماية دائمة بدل الإرشادات الموسمية.
والتحدي السياسي أن هذا النوع من التكيف أقل ظهورًا من الإجلاء الدرامي أو عمليات الاستجابة الطارئة. فمراكز التبريد، وزيارات التفقد في الأحياء، وضمانات حماية العمال، وتحسين معايير البناء لا تولد المشاهد نفسها التي تولدها أكياس الرمل أو خطوط الحماية من الحرائق. لكن غيابها قد يكون له الأثر نفسه من حيث الخطورة.
من التحذير العام إلى الحماية العامة
أهم تحول تقترحه التغطية هو تحول مفاهيمي. ينبغي التعامل مع الحرّ بوصفه حالة تحمي الحكومات الناس منها بشكل فعال، لا مجرد حدث يُحذَّرون منه. لا تزال الإنذارات المبكرة مفيدة، لكنها ليست كافية إذا لم يكن لدى السكان الوسائل اللازمة للتصرف بناءً عليها. الرسائل العامة مهمة، لكن الرسائل من دون وصول فعلي قد تتحول إلى بديل عن السياسة.
لذلك، فحجة المقال ليست أن الحكومات لا تفعل شيئًا. بل إن الإجراءات الحالية لا تواكب حجم التهديد وتواتره وعدم تكافؤه الاجتماعي. فحصيلة الوفيات، والتعرض في العمل، واستمرار المناخ الموصوفة في المادة المصدر تشير جميعها إلى الاتجاه نفسه: الحرّ أصبح أزمة مُطبَّعة.
هذا التطبيع خطر إذا دفع المجتمعات إلى استيعاب الخسائر باعتبارها أمرًا اعتياديًا. والبديل هو التعامل مع الحرّ الشديد بالجدية نفسها المخصصة للأخطار الأخرى ذات الحصيلة البشرية المرتفعة. وبناءً على الأدلة المعروضة هنا، يعني ذلك بناء الحماية حول الأشخاص الأقل قدرة على حماية أنفسهم، والاعتراف بأنه في عالم أكثر سخونة، فإن الخط الفاصل بين الطقس والسياسة العامة قد تلاشى إلى حد كبير.
يعتمد هذا المقال على تقرير من Phys.org. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on phys.org

