أعاد مسح للسماء رسم مقياس علم الكونيات الحديث
أكمل جهاز التحليل الطيفي للمادة المظلمة، المعروف باسم DESI، أدق مسح للكون جرى تجميعه على الإطلاق، منتجًا خريطة بُنيت من أكثر من 47 مليون مجرة وكوازار. كانت الحملة التي استمرت خمس سنوات، والتي أُجريت من مرصد كيت بيك الوطني في أريزونا، تتوقع في الأصل جمع بيانات عن 34 مليون جسم. لكن DESI تجاوز هذا الهدف بدرجة كبيرة، موفرًا للباحثين مجموعة بيانات توسع الخرائط الكونية واسعة النطاق السابقة بنحو مرتبة عشرية كاملة تقريبًا.
هذا الحجم هو القصة. ووفقًا لعالم المشروع David Schlegel، كانت الخرائط السابقة للكون تتضمن إجمالًا نحو 5 ملايين مجرة فقط. أما المسح المكتمل بواسطة DESI فيتجاوز ذلك بكثير، ويقدم صورة أكثر كثافة لكيفية توزع المادة عبر المكان والزمان. في علم الكونيات الحديث، تكتسب هذه المقارنات أهمية لأن توزيع المجرات هو أحد الأدوات الرئيسية التي يستخدمها العلماء لاختبار نماذج تطور الكون.
لماذا تهم هذه الخريطة
عمل DESI ليس مجرد تمرين في الفهرسة القياسية. فقد تساعد الخريطة الجديدة الباحثين على التحقيق في أحد أكثر الاكتشافات الحديثة إزعاجًا في الفيزياء: الضعف الظاهر في الطاقة المظلمة. والطاقة المظلمة هو الاسم المستخدم للدافع المجهول وراء التمدد المتسارع للكون. وإذا كانت قوتها تتغير بطرق لا تتوقعها النظرية الحالية، فقد يحتاج النموذج القياسي لعلم الكونيات إلى مراجعة جادة.
يعطي مسح بهذا الحجم العلماء نفوذًا أكبر لاختبار تلك الإمكانية. فمن خلال مقارنة توزيع المجرات في عصور مختلفة من التاريخ الكوني، يمكن للباحثين البحث عن أنماط في نمو البنية ومعدل التمدد. وكلما زاد عدد الأجسام، زادت القوة الإحصائية وتحسنت فرصة فصل الإشارات الحقيقية عن الضجيج. ولذلك يصل DESI ليس بوصفه إنجازًا تقنيًا فحسب، بل أداة حاسمة في نزاع نظري أعمق.
وتبرز أيضًا الحساسية الشديدة للمشروع. فبعض المجرات الخافتة التي شملها المسح رُصدت وفق التقرير بما لا يتجاوز 100 إلى 200 فوتون فقط. وهذا التفصيل يوضح مدى اندفاع علم الفلك الحديث نحو الحواف الخافتة للكون المرئي. وكفاءة DESI، التي سمحت له بتجاوز هدفه الأصلي، هي جزء من السبب الذي جعل الخريطة النهائية محطة بارزة بهذا الحجم.
انتهى المسح، لكن العلم ما زال يتكشف
على الرغم من انتهاء المسح الرئيسي لـ DESI، ستستغرق البيانات عامًا آخر للتحليل قبل أن تصبح متاحة بالكامل للباحثين. كما تخطط الشراكة لمواصلة جمع البيانات لمدة عامين ونصف على الأقل. وهناك آمال بأن يمكن ترقية الجهاز والاستمرار في تشغيله حتى ثلاثينيات هذا القرن.
وتكتسب هذه الاستمرارية أهمية لأن المسح الحالي يغطي بالفعل 14000 درجة مربعة من السماء، ويأمل الفريق توسيع ذلك إلى 17000 درجة مربعة. وللمقارنة، يمتد كل السماء على أكثر من 41000 درجة مربعة، لكن ليس من العملي رصده كله بالطريقة نفسها لأن الأجسام الساطعة القريبة، بما في ذلك مجرة درب التبانة، تعيق القياس الواضح. ومع ذلك، وصل DESI بالفعل إلى مقياس يعيد تعريف شكل الخريطة الدقيقة للكون.
وصف Schlegel نمطًا طويل الأمد في علم الفلك حيث تكبر الخرائط بنحو عشرة أضعاف كل عقد. وإذا استمر هذا الإيقاع، فقد يتمكن الفلكيون، كما اقترح، من رسم خريطة لكل مجرة قابلة للرصد ضمن 10 مليارات سنة ضوئية بحلول عام 2061. وهذه رؤية طموحة وليست وعدًا، لكنها تُظهر كيف يندمج DESI في اتجاه أوسع: علم الكونيات يتحول بسرعة مذهلة إلى علم غني بالبيانات.
إنجاز تتجاوز دلالاته عناوين علم الفلك
قد تبدو مسوح السماء الواسعة مجرد أمر تجريدي، لكن آثارها على الفيزياء ملموسة. فالخرائط الأفضل تُحسن قياسات البنية الكونية، ما يفرض بدوره قيودًا على نظريات الطاقة المظلمة والجاذبية والتاريخ العام للكون. كما أنها توفر مجموعة بيانات مرجعية مشتركة ستبني عليها دراسات مستقبلية كثيرة، سواء كان الهدف اختبار نماذج كونية غير مألوفة أو مجرد فهم كيف تطورت المجرات عبر مليارات السنين.
لذلك فإن إنجاز DESI يمثل أمرين في آن واحد. إنه نجاح هندسي، لأن الجهاز جمع بيانات أكثر بكثير مما كان مخططًا له في البداية. وهو أيضًا تحدٍ فكري، لأن الخريطة الناتجة قد تساعد في تحديد ما إذا كان أحد الافتراضات المركزية في علم الكونيات لا يزال قائمًا. وإذا كانت الطاقة المظلمة تتصرف فعلًا على نحو مختلف عما كان متوقعًا، فسيكون هذا المسح أحد الأدوات التي يستخدمها الباحثون لإثبات ذلك.
أهم النقاط
- أكمل DESI مسحًا استمر خمس سنوات وضم أكثر من 47 مليون مجرة وكوازار.
- مجموعة البيانات أكبر بنحو 10 مرات من الخرائط الكونية الكبرى السابقة المذكورة في التقرير.
- قد تساعد الخريطة العلماء على اختبار الضعف الظاهر في الطاقة المظلمة.
- تخطط الشراكة لمزيد من جمع البيانات، وترقيات محتملة، وتحليل أوسع خلال السنوات المقبلة.
النتيجة المباشرة بسيطة: لدى البشرية الآن أدق خريطة للكون على الإطلاق. أما السؤال الأصعب والأكثر إثارة فهو: ماذا ستكشف هذه الخريطة عندما ينتهي الباحثون من قراءتها؟
هذه المقالة مستندة إلى تغطية New Scientist. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on newscientist.com

