فقدان من العصور الوسطى حُفظ بالصدفة

أسفرت أعمال البناء في بادربورن بألمانيا عن أحد أكثر الاكتشافات الأثرية غرابة هذا العام: دفتر خشبي-شمعي عمره نحو 800 عام عُثر عليه داخل مرحاض من العصور الوسطى، ولا يزال موضوعًا في غلاف جلدي ومحفوظًا بما يكفي للاحتفاظ بكتابة لاتينية متصلة. ويبدو أن القطعة كانت تخص تاجرًا، وقد نجت لأن حجرات المرحاض كانت مختومة ومحكمة الإغلاق، ما خلق ظروفًا حمت مواد عضوية هشة كانت ستتحلل عادةً.

ويتميز هذا الاكتشاف ليس فقط لأن الكتب وأدوات الكتابة من هذا النوع نادرًا ما تبقى، بل لأنه يبدو أنه يوثق غرضًا يوميًا وهو في الاستعمال، لا أرشيفًا احتفاليًا أو نخبويًا. وقال علماء آثار يعملون مع الرابطة الإقليمية في ويستفاليا-ليبه إن الدفتر اعتُبر في البداية مجرد كتلة تراب أثناء التنظيف المخبري، قبل أن يُعرَف على أنه غلاف جلدي ذو غطاء يحتوي على لوح الكتابة.

هذا النوع من الاسترداد يذكّر بكم من الحياة اليومية في العصور الوسطى لا يزال مخفيًا في سياقات غير لافتة. فالمخطوطات الرسمية غالبًا ما تبقى لأنها حُفظت في الأديرة أو المكتبات. أما أدوات الكتابة المحمولة والعملية التي يستخدمها التجار فكانت أكثر عرضة للتآكل أو الإهمال أو الضياع.

ما الذي عُثر عليه

يقيس الدفتر نحو 8.6 في 5.5 سنتيمترات، وكان يُحمل داخل غلاف جلدي أكبر قليلًا مزين بنمط زهرة الزنبق. ويتكون من 10 صفحات إجمالًا: ثمانٍ مزدوجة الجانبين وصفحتان أحاديتا الجانب. وكانت جميعها مطلية بالشمع بحيث يمكن الكتابة عليها بقلم معدني. وكانت الألواح الشمعية قابلة لإعادة الاستخدام، ما جعلها مناسبة للملاحظات والحسابات والقوائم والنصوص القصيرة.

داخل الدفتر، حدد الخبراء عددًا من الأسطر المكتوبة باللاتينية المتصلة. وقد كُتبت بعض الأسطر فوق أسطر أخرى، واتجه بعضها في مسارات مختلفة، ما يعقد عملية النسخ. ويقول علماء الآثار إن كلمات منفردة يمكن تمييزها بالفعل، لكن ترجمة النص كاملًا ستحتاج إلى وقت بسبب تداخل الكتابة وإمكانية وجود تهجئة غير معيارية.

وتشير خصائص الخط إلى أن الدفتر استُخدم في وقت ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. وهذا وحده يجعله ذا قيمة. كانت الألواح الشمعية المحمولة شائعة في العالم الوسيط، لكن الأمثلة التي تحتفظ بالكتابة الفعلية نادرة جدًا، خاصة عندما تأتي مع غلافها الواقي.

لماذا للمرحاض كل هذه الأهمية

عُثر على القطعة في واحد من خمسة مراحيض من العصور الوسطى جرى التنقيب عنها في الموقع. وقد تبدو مثل هذه الأماكن غير مبشرة، لكنها قد تكون كبسولات زمنية استثنائية. فعندما تُغلق الحفر وتبقى مشبعة بالماء أو فقيرة بالأكسجين، يمكن للجلد والخشب والمنسوجات والمواد الهشة الأخرى أن تبقى لقرون.

وأشارت أخصائية الحفظ Susanne Bretzel إلى أنه حتى بعد كل هذه القرون تحت الأرض، ظل للاكتشاف رائحة كريهة. وهذا التفصيل ليس مجرد حكاية جانبية. فهو يبرز مدى بقاء بيئة الحفظ سليمة. ففي علم الآثار، قد تكون كيمياء الموقع غير المعتادة مهمة بقدر أهمية القطعة نفسها.

كما شكّل سياق المرحاض القصة التي استحوذت على خيال الجمهور. واقترح علماء الآثار أن التاجر ربما أسقط الدفتر أثناء استخدام الحفرة، وربما في الوقت نفسه الذي كان يمسح فيه نفسه بقطعة من الحرير نجت هي الأخرى. وإذا صح ذلك، فإن الموقع لم يحفظ أداة كتابة فحسب، بل لحظة حميمة وعرضية من الحياة الحضرية في العصور الوسطى.

نافذة على التجارة والقراءة والكتابة

إذا كان الدفتر يعود بالفعل إلى تاجر، فقد يساعد الباحثين على فهم كيف تداخلت الأعمال والقراءة والكتابة في مدينة وسطى آخذة في النمو. كانت بادربورن جزءًا من عالم تجاري أوسع احتاج فيه التجار إلى أدوات عملية لتسجيل الديون والتسليمات والأسماء والكميات. وكان دفتر شمعي صغير مثاليًا للقيود المؤقتة التي يمكن لاحقًا نسخها في سجلات أكثر رسمية.

كما أن كون الكتابة باللاتينية أمر لافت أيضًا. فقد ظلت اللاتينية لغة الإدارة والدين والعلم في معظم أوروبا الوسيطة، لكن استخدامها في السياقات التجارية اليومية كان يختلف حسب المكان والغرض. وقد توضح عملية النسخ النهائية ما إذا كان الدفتر يحتوي على حسابات أو مذكرات أو ملاحظات قانونية أو شيئًا أكثر شخصية.

حتى قبل أن يُقرأ النص كاملًا، تقول القطعة شيئًا مهمًا عن معرفة القراءة والكتابة الروتينية. فهي تشير إلى الكتابة كتقنية عملية تُحمل على الجسد، لا مجرد نشاط ذي مكانة محصور في السكريبتيوريا أو المؤسسات الرسمية.

لماذا يهم العمل البطيء

غالبًا ما تصل مثل هذه الاكتشافات بعناوين مثيرة، لكن قيمتها العلمية الحقيقية تظهر عبر الحفظ والتفسير الصبور. وبما أن بعض الأسطر كُتبت فوق أسطر أخرى وتختلف اتجاهاتها، سيحتاج المختصون إلى وقت لفك النص. وقد تزيد الأخطاء الإملائية من صعوبة القراءة. وما يبدو في البداية مجرد فضول طريف قد يتحول إلى مصدر تاريخي مهم بعد إعادة بناء الكلمات.

كما أن الغلاف نفسه مهم أيضًا. فالنمط المزخرف على هيئة زهرة الزنبق يشير إلى عناية بالحرفة وربما إلى درجة من المكانة. ولم تكن الأدوات المحمولة دائمًا نفعية محضة؛ إذ يمكن أن تشير أيضًا إلى الهوية أو المهنة أو الذوق.

غالبًا ما يتقدم علم الآثار عبر الشذرات لا عبر القصص الكاملة. وهنا، الشذرات غنية على نحو غير معتاد: حقيبة جلدية، ولوح كتابة قابل لإعادة الاستخدام، وكلمات لاتينية عالقة في الشمع، وآثار نسيج فاخر في مرحاض ظل مختومًا لقرون. ومعًا، تقدم هذه العناصر لقطة مكثفة لكنها حية من الثقافة المادية في العصور الوسطى.

غرض عادي، لكنه محفوظ على نحو غير مألوف

هناك سبب يجعل الاكتشافات من هذا النوع تلقى صدى واسعًا. فهي تقلّص المسافة بين الحياة الحديثة والحياة في العصور الوسطى. فصاحب هذا الدفتر لم يكن يترك أثرًا تذكاريًا، بل كان يحمل أداة عمل عبر البلدة ويبدو أنه فقدها في أكثر الأماكن يومية. وبعد قرون، صار ذلك الحادث أرشيفًا نادرًا.

وبمجرد فك النص، قد يعرف الباحثون الكثير عن من استخدم الدفتر ولماذا. لكن حتى الآن، قبل فهم المحتوى كاملًا، يوسّع الاكتشاف السجل الباقي عن كيفية تحرك الكتابة والتجارة والمقتنيات الشخصية عبر أوروبا الوسيطة. وهو يذكّر بأن التاريخ لا يبقى فقط في المباني الكبرى والنصوص الرسمية. أحيانًا يبقى في محتويات مرحاض، منتظرًا طبقة التربة المناسبة لتعيده إلى الظهور.

هذا المقال يستند إلى تقرير من Live Science. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on livescience.com