العلامات القديمة تبدو أقرب إلى التصميم منها إلى الخربشات
قبل أكثر من 60,000 سنة، كان الناس في جنوب أفريقيا ينقشون أوعية من قشور بيض النعام بأنماط تبدو اليوم منهجية على نحو لافت. ووفقًا لدراسة جديدة أبرزتها ScienceDaily ونُسبت إلى باحثين بقيادة جامعة بولونيا، لم تكن تلك العلامات مجرد زينة عابرة. ويجادل الفريق بأن النقوش اتبعت مبادئ هندسية متكررة، بما في ذلك الخطوط المتوازية، وعلاقات الزاوية القائمة، والشبكات، والدورات، والزخارف المكررة.
وتكمن أهمية ذلك في أنه يدفع النقاش إلى ما هو أبعد من مجرد السؤال عمّا إذا كان البشر الأوائل قادرين على صنع علامات رمزية أصلًا. والأقوى من ذلك هو أن هؤلاء النقاشين ربما كانوا يطبقون قواعد، ويكررون البنى البصرية، وفي بعض الحالات يخططون لنمط ما قبل أن يحفروا على القشرة. وإذا صح هذا التفسير، فإن هذه القطع تشير إلى شكل متقدم من الاستدلال المكاني في عمق العصر الحجري الأوسط.
ما الذي درسه الباحثون
ركّزت الدراسة على 112 قطعة من قشور بيض النعام المنقوشة جُمعت من ثلاثة مواقع في جنوب أفريقيا: ديبكْلوف وكليبدرِفت في جنوب أفريقيا، وأبولّو 11 في ناميبيا. وكانت قشور النعام في تلك الفترة تُستخدم على الأرجح كحاويات للماء، ما يجعلها أدوات يومية لا قطعًا طقسية نادرة. وهذا السياق العملي مهم. فإذا ظهر النقش الهندسي المتكرر على أوعية عادية، فهذا يشير إلى أن السلوك البصري المنظم ربما كان جزءًا من الحياة اليومية، لا محصورًا في الأشياء الاستثنائية.
واستخدم الباحثون أساليب هندسية وإحصائية لإعادة بناء اتجاه الخطوط المنقوشة وزواياها ومساراتها. ويذكر الملخص أن هذه التقنيات لم تكن قد طُبقت من قبل على هذه القطع بالطريقة نفسها. وتشير النتائج، بحسب التقرير، إلى أن أكثر من 80% من التكوينات احتوت على أنماط مكانية متسقة. وظهرت علاقات الزاوية القائمة مرارًا، وكذلك الخطوط المتوازية والترتيبات الأكثر تعقيدًا مثل الشرائط المحززة والشبكات والزخارف الشبيهة بالمعينات.
وهذا الاتساق هو أساس حجة الورقة. فقد تكون بضع خطوط مستقيمة على قطعة واحدة عرضية أو مرتجلة. لكن البنى المتكررة عبر قطع كثيرة من مواقع متعددة يصعب تفسيرها على أنها عشوائية. وتفسير المؤلفين هو أن النقوش تعكس منطقًا بصريًا مشتركًا.
لماذا يهتم علماء الآثار بـ“القواعد”
الادعاءات المتعلقة بالرمزية في اللقى البشرية المبكرة شائعة، لكن الادعاءات المتعلقة بالتأليف القائم على قواعد أكثر أهمية. فوجود نحو تصميم متكرر يوحي بأن الصانع لم يكن يترك علامة فحسب. بل ربما كان ينظم الفضاء وفق مبادئ متعلمة: إبقاء الخطوط متوازية، وتكرار زاوية، وعكس جزء من الشكل، أو بناء زخرفة من وحدات أصغر.
هذا النوع من التنظيم يقف بالقرب من الحد الفاصل بين الزخرفة والترميز والتواصل. ولا يدّعي ملخص الدراسة أن النقوش شكّلت نظام كتابة، كما أن النص المصدر المتاح لا يدعم الذهاب إلى هذا الحد. لكنه يشير إلى وجود نحو بصري “في طور التكوين”، أي طريقة منظمة لإنتاج الأنماط وربما التعرّف إليها.
وهذا مهم لعلماء الآثار وعلوم الإدراك لأنه يربط السلوك الرمزي بالتخطيط. فإذا كان التصميم يتضمن تباعدًا متكررًا وزوايا قائمة وشرائط نمطية، فقد يكون الصانع قد مثّل ذهنيًا التكوين النهائي قبل تنفيذه. وبعبارة أخرى، قد لا تحتفظ القطعة بالأثر نفسه فقط، بل أيضًا بدليل على الاستبصار.
أدوات يومية، وثقافة مشتركة
يضيف استخدام قشور بيض النعام كحاويات متنقلة طبقة أخرى إلى هذه النتيجة. فالحاويات تتحرك مع الناس، وتُمسك وتُرى وتُتبادل وتُعاد استخدامها. وإذا اتبعت النقوش على تلك الحاويات أعرافًا متكررة، فقد تكون الأنماط قد عملت كعلامات يمكن التعرف عليها داخل المجموعة أو بين المجموعات أو عبر الأجيال.
ولا ينسب ملخص الدراسة وظيفة واحدة لهذه العلامات، وهذا التحفظ مفيد. فقد تكون ساعدت على تحديد الملكية أو المحتويات أو النسب أو الانتماء الاجتماعي. وقد تكون أيضًا حملت قيمة جمالية أو رمزية. وما يبدو أن البحث يثبته بقوة أكبر ليس لماذا صُنعت الأنماط، بل أنها كانت منظمة بدرجة ملحوظة من الانتظام.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن تفسير عصور ما قبل التاريخ غالبًا ما يسبق الأدلة. وهنا يدعم النص المصدر استنتاجًا أضيق لكنه لا يزال مهمًا: كان الناس ينتجون تصاميم هندسية ذات بنية قابلة للتكرار قبل الزراعة والمدن والكتابة الرسمية بوقت طويل.
ما الذي يتغير وما الذي لا يتغير
يعزز التحليل الجديد فكرة أن أوائل الإنسان العاقل في جنوب أفريقيا امتلكوا قدرات إدراكية وثقافية متقدمة. كما يشير إلى أنهم كانوا قادرين على تنظيم بصري مجرد وربما نقل هذه الأعراف اجتماعيًا. ويدعم تكرر الزخارف عبر المواقع أيضًا احتمال أن هذا لم يكن تجربة معزولة لشخص واحد.
وفي الوقت نفسه، تظل الأدلة مجزأة بالمعنى الحرفي. فهي قطع مكسورة من أوعية، وليست أشياء كاملة، وإعادة البناء تنطوي دائمًا على قدر من التفسير. ويشير الملخص إلى أن الفريق استخدم أساليب كمية لتقليل الذاتية، لكن من المرجح أن تختبر أعمال لاحقة ما إذا كانت النتائج نفسها تصمد مع عينات أكبر أو مواقع إضافية.
ومع ذلك، تضيف الدراسة وزنًا إلى تحول أوسع في أبحاث أصل الإنسان. فبدلًا من التعامل مع الإدراك المعقد بوصفه تطورًا متأخرًا مرتبطًا بالآثار الضخمة أو المستوطنات الكثيفة، يجد مزيد من علماء الآثار هذا الإدراك في قطع أثرية دقيقة، قابلة للحمل، ويومية. فالذكاء ليس في الأطلال المذهلة فقط، بل في النمط والتكرار والتصميم على الأشياء التي حملها الناس في حياتهم العادية.
اختراق من نوع أهدأ
لا يوجد هنا إطلاق لمركبة فضائية ولا إنجاز في تحرير الجينات، لكن النتيجة تظل قصة تقدم ذات معنى. فالقطع تشير إلى تاريخ طويل من التفكير المنظم: القدرة على فرض بنية على الأسطح، وتكرار الأعراف، وربما تخيل نمط مكتمل قبل تحويله إلى واقع. وهذه إحدى ركائز الثقافة.
إذا واصل تفسير المؤلفين الصمود أمام التدقيق، فإن قشور البيض المنقوشة من جنوب أفريقيا ستقف شاهدًا على أن البشر الأوائل كانوا يفعلون أكثر من مجرد وضع علامات على الأشياء. لقد كانوا يعملون داخل نظام من النظام البصري. وبعد أكثر من 60,000 سنة، لا يزال هذا النظام قابلًا للقراءة.
هذه المقالة مبنية على تقرير من Science Daily. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on sciencedaily.com




