القيادة السيبرانية تريد نقل الذكاء الاصطناعي من تجربة محدودة إلى طبقة تشغيلية

تطلب القيادة السيبرانية الأميركية زيادة حادة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي للعمليات السيبرانية، في إشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه إضافة تجريبية إلى أولوية تشغيلية أساسية داخل المنظومة السيبرانية للجيش الأميركي. ووفقًا لتقرير Breaking Defense، فإن القيادة تطلب 138 مليون دولار في السنة المالية 2027 لبرنامجها “AI for Cyber Operations”، مقارنةً بـ5 ملايين دولار فقط في طلب السنة المالية 2026.

هذا يمثل زيادة بنسبة 2660% على أساس سنوي، وحجم هذه القفزة هو القصة نفسها. فميزانيات الدفاع الكبيرة غالبًا ما تخفي معنى التغيرات في البنود الفردية، لكن هذه الحالة يصعب إساءة قراءتها. فالقيادة السيبرانية تشير إلى أن التحليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ودمج سير العمل، ودعم القرار بمساعدة الآلة لم تعد قدرات هامشية، بل تُطرح كبنية تحتية للنشاط السيبراني اليومي.

لماذا تقول القيادة إنها تحتاج إلى المال

تبرير الميزانية الوارد في التقرير يستند إلى المنافسة الاستراتيجية. وتذكر وثائق الميزانية أن الدول الخصم، ولا سيما الصين، تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتحليلات المتقدمة بطرق قد تهدد البنية التحتية الأميركية الحيوية وميزة القرار الأوسع. وتقول القيادة السيبرانية إنها، للحفاظ على التفوق التشغيلي، تحتاج إلى أدوات ذكاء اصطناعي تساعد العاملين في المجال السيبراني على معالجة كميات ضخمة من البيانات، وتحديد النشاط الخبيث، والاستجابة بسرعة أكبر مما يستطيع البشر فعله بمفردهم.

الحجة هنا ليست عن الجِدّة بقدر ما هي عن الحجم. فالعمليات السيبرانية الحديثة تتضمن مجموعات بيانات هائلة ومتغيرة بسرعة، وإشارات مشوشة، والحاجة إلى التمييز بين التهديدات ذات المعنى والنشاط الخلفي في زمن شبه حقيقي. ولا تزال الفرق البشرية محورية، لكن طلب القيادة يعكس رؤية مفادها أن الفرق البشرية من دون مساعدة الذكاء الاصطناعي ستصبح أبطأ على نحو متزايد.

ما الذي يُفترض أن يفعله البرنامج

وفقًا للتقرير، فإن مبادرة الذكاء الاصطناعي مدرجة ضمن طلب ميزانية البحث والتطوير لدى القيادة السيبرانية، وتهدف إلى تقييم التقنيات التجارية والتقنيات المطورة حكوميًا على حد سواء. والهدف هو بناء قدرات متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي يمكن دمجها في سير العمل عبر قوة المهمة السيبرانية.

ويستهدف الطلب أربع مجالات واسعة من التحسين القابل للقياس. أحدها الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، حيث ستُستخدم تحليلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة مجموعات البيانات الكبيرة بسرعة أكبر وتحسين الوعي بالموقف في المهام الهجومية والدفاعية. ومجال آخر هو كشف التهديدات، بما في ذلك القدرة على تحديد نشاط الخصم ووصْفه وتتبعِه. كما يسعى الطلب إلى تعزيز العمليات الهجومية وتقوية العمل السيبراني الدفاعي، إلى جانب أنشطة أساسية تدعم دمج هذه القدرات في الممارسة التشغيلية الأوسع.

والعبارة المهمة في التقرير هي “التحسين القابل للقياس”. وهذه اللغة توحي بأن القيادة السيبرانية لا تطلب فقط زيادة في الميزانية انسجامًا مع الحماس السائد في البنتاغون تجاه الذكاء الاصطناعي، بل تحاول أيضًا أن تصوغ الاستثمار بوصفه استثمارًا ذا مساءلة تشغيلية، مرتبطًا بمكاسب ملموسة في السرعة، وتحديد الأهداف، والتحليل، والاستجابة.

جزء من اتجاه أوسع في البنتاغون

يقع هذا الطلب أيضًا ضمن دفع أكبر على مستوى الوزارة. ويشير Breaking Defense إلى أن الكونغرس طلب من القيادة السيبرانية إعداد خارطة طريق للذكاء الاصطناعي تمتد لخمس سنوات ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للعام المالي 2023، وأن القيادة أنشأت فريق عمل للذكاء الاصطناعي داخل قوة المهمة السيبرانية الوطنية في 2024. وبهذا المعنى، فإن طلب السنة المالية 2027 ليس ارتفاعًا معزولًا، بل هو التعبير الميزاني عن اتجاه سياسي كان يتبلور منذ عدة سنوات.

هذا السياق مهم لأن برامج الذكاء الاصطناعي العسكرية غالبًا ما تواجه صعوبات عندما تبقى منفصلة عن العقيدة أو المشتريات أو البنية التنظيمية. وهنا، تشير الدلائل إلى نهج أكثر مؤسسية. الكونغرس طلب خارطة طريق، ثم جاء فريق العمل، والآن تتوسع الميزانية بشكل حاد. هذا التسلسل لا يضمن النجاح، لكنه يدل على أن القيادة تحاول تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ممارسة تشغيلية فعلية بدلًا من الاكتفاء بالحديث عنه.

الأرقام تكشف أيضًا قدرًا من الحذر

ومن المثير للاهتمام أن الصورة الميزانية الموصوفة في التقرير لا تستمر في الصعود بلا نهاية. فبعد الذروة البالغة 138 مليون دولار في السنة المالية 2027، ينخفض الاستثمار المتوقع إلى 124 مليون دولار في السنة المالية 2028، ثم إلى 50 مليونًا في 2029 و47 مليونًا في 2030. ويشير هذا الانخفاض إلى أن القيادة قد ترى المرحلة الحالية بوصفها مرحلة بناء، لا مسار إنفاق لا نهاية له.

وقد يكون أحد التفسيرات أن القيادة السيبرانية تتوقع أكبر دفعة قريبة الأجل في التكامل والأدوات والتجريب، ثم تنتقل إلى مرحلة دعم أقل كلفة. وتفسير آخر هو أن أرقام السنوات اللاحقة تعكس حالة عدم اليقين التي غالبًا ما تحيط ببرامج التكنولوجيا العسكرية الناشئة. وعلى أي حال، فإن الانخفاض في السنوات اللاحقة يذكّر بأن المخططين الماليين، حتى وسط الضجيج حول الذكاء الاصطناعي، ما زالوا يعرضون هذا البرنامج بوصفه ذا منحنى استثمار محدد.

أين سيكون الاختبار الحقيقي

أصعب جزء لن يكون كتابة الشيفرة أو شراء النماذج. بل سيكون إثبات أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحسين المهام السيبرانية الحقيقية من دون إغراق المشغلين بالإيجابيات الكاذبة أو الأتمتة الهشة أو التوصيات المبهمة. فالعمليات السيبرانية تتطلب السرعة، لكنها تتطلب أيضًا الحكم السليم. والنظام الذي يسرّع الوصول إلى استنتاج خاطئ ليس ميزة.

وهذا يعني أن نجاح هذه الزيادة الميزانية سيعتمد على مدى قدرة القيادة على دمج الذكاء الاصطناعي في صنع القرار البشري، لا حوله. وأفضل النتائج ستكون أنظمة تخفف عبء المحللين، وتبرز الحالات الشاذة الصحيحة بسرعة أكبر، وتساعد الفرق على تنسيق الأعمال الهجومية والدفاعية تحت الضغط. أما أسوأ النتائج فستكون لوحات مليئة بمخرجات تبدو متقدمة لكنها لا تصمد في بيئة خصمية.

إشارة ميزانية ذات دلالة

مهما كانت تحديات التنفيذ، فإن طلب الإنفاق هذا يمثل علامة مؤسسية واضحة. فالقيادة السيبرانية تخبر الكونغرس بأن الذكاء الاصطناعي أصبح الآن مركزيًا بما يكفي في المنافسة السيبرانية ليستحق واحدة من أكبر الزيادات في ميزانيتها. وبالمعنى الدفاعي، فهذه ليست مجرد حماسة، بل إشارة طلب فعلية.

إذا وافق المشرّعون، فقد يُذكر العام المالي 2027 باعتباره اللحظة التي انتقل فيها الذكاء الاصطناعي للعمليات السيبرانية من وثائق الاستراتيجية إلى ميزانية تشغيلية جدية. والسؤال الحقيقي بعد ذلك سيكون ما إذا كانت هذه الأدوات ستوفر بالفعل أفضلية سرعة الآلة التي تقول القيادة إنها تحتاجها.

يعتمد هذا المقال على تقرير Breaking Defense. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on breakingdefense.com