أنقرة تعرض حجتها في نظام أمني يتغير
تدفع تركيا نحو مكان أكبر في البنية الدفاعية الأوروبية، بينما تعيد الولايات المتحدة تقييم ضماناتها الأمنية في القارة، وفقا لما ذكرته Defense News. ورسالة أنقرة واضحة: إن استبعاد تركيا من مبادرات الدفاع الأوروبية سيضر بأمن أوروبا وقدرتها على الصمود أكثر من خفض القوات الأمريكية في أوروبا.
وقد عرض وزير الدفاع التركي يشار غولر هذه الحجة في مؤتمر بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لانضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي. وفي تصريحات نقلتها Defense News، انتقد غولر تردد الاتحاد الأوروبي في فتح هياكله الدفاعية أمام أنقرة بالكامل، رغم الدور الطويل الذي تؤديه تركيا داخل الناتو.
هذه ليست مجرد شكوى دبلوماسية. إنها محاولة لتموضع استراتيجي في لحظة تبدو فيها أسس الأمن عبر الأطلسي أقل استقرارا مما كانت عليه منذ سنوات.
تركيا تقول إنها لم تعد دولة على الجناح
إحدى أوضح العبارات في تقرير Defense News هي قول غولر إن تركيا لم تعد مجرد دولة على الجناح الجنوبي الشرقي في أطراف الناتو. بل وصفها بأنها حليف مركزي قادر على توليد الأمن عبر المسرح الأوروبي بأكمله. وتكتسب هذه الصياغة أهمية لأنها تعكس الطريقة التي تريد أنقرة أن يُنظر إليها بها: لا كشريك صعب خارج نادي الاتحاد الأوروبي، بل كفاعل عسكري لا غنى عنه تجاوز دوره الافتراضات الجغرافية القديمة.
وتستند الحجة إلى عدة عناصر تقول تركيا إنها تستطيع تقديمها لأوروبا. وتشير Defense News إلى تركيز أنقرة على جيشها الكبير الدائم، وخبرتها القتالية، وموقعها الاستراتيجي بين أوروبا والشرق الأوسط، وقاعدة صناعية قادرة على إنتاج الطائرات المسيّرة والذخائر والمركبات المدرعة والمنصات البحرية بسرعة.
ويكتسب هذا البعد الصناعي أهمية خاصة في وقت تركز فيه الحكومات الأوروبية بشكل متزايد على القدرة الإنتاجية بقدر تركيزها على العقيدة العسكرية أو تموضع القوات. فالشريك القادر على التصنيع على نطاق واسع قد لا يقل أهمية عن الشريك القادر على نشر القوات.
العامل الأمريكي يزيد الإلحاح
يرتبط توقيت تحرك تركيا ارتباطا وثيقا بالغموض حول الدور المستقبلي لواشنطن. وتضع Defense News حجة أنقرة في سياق تساؤلات الرئيس دونالد ترامب حول التزامات الولايات المتحدة تجاه أوروبا. وإذا أصبح المظلة الأمنية الأمريكية أقل موثوقية، فإن قيمة الحلفاء الإقليميين القادرين ترتفع.
وهنا ترى تركيا فرصة. فمن خلال تقديم نفسها بوصفها مزودا أمنيا مركزيا لا مجرد طرف هامشي، تحاول أنقرة تحويل القلق الجيوسياسي إلى نفوذ مؤسسي. والتحذير هنا هو أن التخطيط الدفاعي الأوروبي لا يستطيع أن يتجاهل أحد أكثر أعضاء الناتو ثقلا عسكريا لمجرد أنه خارج الاتحاد الأوروبي.
وهناك أيضا عنصر حماية ذاتية في هذا الموقف. وتشير المقالة إلى أن تركيا تواجه بدورها بيئة تهديدات أكثر تعقيدا. ومن وجهة نظر أنقرة، فإن إضعاف الناتو أو تفكك الموقف الدفاعي الأوروبي لن يضر أوروبا فحسب، بل سيجعل تركيا أكثر تعرضا في ظل عدم الاستقرار الإقليمي.
قيادة الناتو والوزن السياسي
تذكر Defense News أن تركيا ستتولى قيادة قوة الرد الحليفة التابعة للناتو من عام 2028 إلى 2030. وهذا ليس تفصيلا رمزيا فحسب، بل يمنح أنقرة مثلا ملموسا على الثقة داخل الحلف والجدوى العملياتية في وقت تطالب فيه بمزيد من الانخراط في أماكن أخرى.
كما يعزز الخبراء المذكورون في المقالة هذه النقطة. فقد قال سرحات غوفينتش من جامعة قادر هاس إن تركيا أصبحت واحدة من قلة من حلفاء الناتو القادرين على الإسهام عبر مجالات عملياتية متعددة وبحجم ذي معنى. وتضيف المقالة أن دول الجناح الشرقي للناتو، بما في ذلك بولندا ورومانيا ودول البلطيق والحلفاء الشماليون، تدرك بشكل متزايد قيمة تركيا بينما تسعى أوروبا إلى تعزيز الردع ضد روسيا وإدارة عدم الاستقرار في جنوبها.
هذا لا يمحو العقبات السياسية بين تركيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي. لكنه يوضح لماذا تعتقد أنقرة أن المبرر الاستراتيجي لضمها أصبح أقوى، حتى لو ظلت الحواجز الرسمية قائمة.
النقاش الدفاعي الأوروبي يتسع
تكمن الأهمية الأوسع للقصة في أن النقاش الأوروبي حول الدفاع لم يعد يدور فقط حول الميزانيات أو المشتريات. بل أصبح أيضا يتعلق بالعضوية والمواءمة، وبأي الدول تُعامل كمساهمين أساسيين في نظام أمني أكثر استقلالية.
تريد تركيا أن يُبنى هذا النظام بطريقة تعترف بالقدرة العسكرية والموقع الاستراتيجي، لا فقط بعضوية الاتحاد الأوروبي. وسواء وافقت أوروبا أم لا، فإن ذلك سيؤثر على أكثر من المكانة الدبلوماسية لأنقرة. وقد يحدد أيضا مدى فعالية القارة في تنظيم الردع وتوليد القوة في فترة تتسع فيها حالة عدم الاستقرار.
وعلى الأقل، يوضح تقرير Defense News نقطة واحدة: تركيا لم تعد تكتفي بأن تُعامل بوصفها دولة على هامش مستقبل الدفاع الأوروبي. إنها تريد أن تكون داخله.
هذه المقالة مبنية على تقرير Defense News. اقرأ المقال الأصلي.



